الثلاثاء-03 فبراير - 03:42 ص-مدينة عدن

من محاكم التفتيش إلى السلفية المدخلية: حين يتحول الدين إلى أداة للسلطة

الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 10:56 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" خاص


في التجربة التاريخية والدينية، يظهر أن محاكم التفتيش والسلفية المدخلية، رغم اختلاف الزمان والسياق، تشتركان في بنية فكرية واحدة تقوم على احتكار الحقيقة الدينية وتسخيرها لخدمة السلطة. محاكم التفتيش نشأت بوصفها جهازًا كنسيًا يرى نفسه الممثل الوحيد للإيمان الصحيح، فحوّلت الخلاف الديني إلى تهمة، والاختلاف الفكري إلى جريمة تستوجب العقاب. وبالمنطق نفسه، تنطلق السلفية المدخلية من تصور يعتبر منهجها هو السلفية الصحيحة الوحيدة، ويجعل من مخالفيها خصومًا للمنهج والسنة، لا مجرد أصحاب اجتهاد مختلف، الأمر الذي ألغى مساحة التعدد داخل الدين وحوّل الخلاف إلى أداة إقصاء.
دينيًا، لم يكن هدف محاكم التفتيش هداية الناس بقدر ما كان ضبطهم وإخضاعهم، فغلب التحقيق والاعتراف القسري والعقاب على الرحمة والإقناع. هذا النمط يتكرر بصورة حديثة في السلفية المدخلية التي انشغلت بالجرح والتبديع والتحذير أكثر من انشغالها بالإصلاح والتزكية، فأصبح الخطاب الديني وسيلة لتصنيف الناس وإسقاطهم، لا لتهذيبهم أو جمعهم. في الحالتين، جرى تجريد المخالف من إنسانيته الدينية، وتحويله إلى خطر يجب عزله أو تشويه صورته أمام المجتمع.
سياسيًا، لعبت محاكم التفتيش دور الذراع الدينية للسلطة الزمنية، فوفّرت للملوك والأباطرة شرعية مقدسة لقمع المعارضين باسم حماية الإيمان ووحدة المجتمع. وبالطريقة ذاتها، منحت السلفية المدخلية في الواقع المعاصر غطاءً دينيًا للسلطات والقوى المسيطرة، فحرّمت معارضتها أو حتى نقدها، وقدّمت الطاعة بوصفها قيمة مطلقة منفصلة عن العدل والمحاسبة. هكذا تحوّل الدين من ميزان أخلاقي يضبط السلطة إلى أداة بيدها تستخدمها لإسكات خصومها.
كما أن الطرفين التقيا في الاصطفاف مع القوة الغالبة لا مع القيم، فمحاكم التفتيش لم تعارض ظلم السلطة ما دامت تحمي نفوذ الكنيسة، والسلفية المدخلية غالبًا ما تنحاز إلى الأقوى عسكريًا أو أمنيًا بحجة درء الفتن وحفظ الاستقرار، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق والكرامة. القمع في الحالتين يُقدَّم بوصفه ضرورة، مرة باسم حماية العقيدة، ومرة باسم حماية المنهج والطاعة.
ورغم أن محاكم التفتيش كانت مؤسسة رسمية معلنة، بينما تعمل السلفية المدخلية غالبًا بلا صفة رسمية واضحة، إلا أن الخطر في الحالة الثانية يكمن في غياب المساءلة وامتزاج الخطاب الديني بالأجهزة الأمنية، ما يجعل القمع أقل وضوحًا وأكثر قدرة على التغلغل في المجتمع. في المحصلة، تكشف المقارنة أن المشكلة ليست في الدين ذاته، بل في تحويله إلى سلطة إقصاء، حيث تُقدَّس الطاعة ويُجرَّم الاختلاف، ويُستبدل العدل بالخوف، والرحمة بالتصنيف، ليصبح الدين أداة ضبط لا رسالة هداية.

متعلقات