الأحد-01 فبراير - 08:53 م-مدينة عدن

الوزير الداعري.. حين ينتصر الموقف على المنصب

الأحد - 01 فبراير 2026 - الساعة 07:16 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" ايــــاد الهمامــــــــي



لم يكن الفريق الركن الدكتور محسن محمد الداعري في هذه الصورة الذي جمعته مع القيادي المناضل خالد مسعد مجرّد اسمٍ عابر في مشهد السياسة والعسكرية، بل هو سيرة وطن، وتجربة رجلٍ صُنعت في ميادين الشرف قبل أن تُكتب في دفاتر المناصب. كثير من أبناء الجنوب تعرّفوا عليه يوم تقلّد حقيبة وزارة الدفاع في حكومة ما تُسمّى بالشرعية قبل نحو عامين ونصف، غير أن مسيرته الحقيقية أعمق وأسبق من ذلك بكثير.

في الجانب العلمي، يُعد الداعري نموذجًا نادرًا للقائد المتعلّم؛ فهو خريج الدفعة الثانية عشرة من الكلية العسكرية في عدن بمرتبة الشرف، ثم واصل مسيرته في كلية القيادة والأركان وكلية الحرب العليا، متصدرًا زملاءه في المرتبة الأولى، قبل أن ينال درجة الدكتوراه، ليكون بذلك أول وزير دفاع يحمل هذا المستوى الأكاديمي العسكري المتقدم.

أما في الميدان العملي، فقد تدرّج بثبات في سلم القيادة العسكرية، من قائد سرية، إلى أركان كتيبة، ثم ركن تدريب لواء، فـأركان حرب لواء دفاع جوي، وصولًا إلى قائد لواء مدرع، في مسيرة تؤكد أن الرجل صُنع في المعسكرات قبل أن يُصنع في المكاتب.

وفي ساحات القتال، لم يكن الداعري قائدًا خلف الخطوط، بل مقاتلًا في مقدمة الصفوف، في شهادة حيّة على أنه لم يتعامل مع الحرب بوصفها قرارًا، بل مسؤولية وشرفًا وحين تسلّم وزارة الدفاع، لم يكتفِ بالبقاء في إطار العمل الإداري، بل أعاد الروح للمؤسسة العسكرية، فأعاد فتح الكلية العسكرية في صلاح الدين بعدن، وأنشأ كلية القيادة والأركان، وكلية الحرب العليا، وكلية الدفاع الوطني في العاصمة عدن، وفق أسس علمية حديثة، واضعًا اللبنة الأولى لبناء جيش محترف لا ميليشيات موسمية.

كما شرع في إعادة تنظيم القوات المسلحة بما يتناسب مع الإمكانيات المتاحة، وحرص على النزول الميداني لزيارة الوحدات العسكرية في معسكراتها وجبهاتها، جنوبًا وشمالًا، غير آبه بالمخاطر أو بالاستهداف، مؤمنًا بأن القائد الحقيقي مكانه بين جنوده لا خلف الحواجز.

غير أن اللحظة التي صنعت من الداعري أيقونة جنوبية لا مجرد وزير، جاءت في ديسمبر 2025م، حين رفض تنفيذ أوامر رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بإشعال مواجهة عسكرية داخل العاصمة عدن ضد القوات الجنوبية، مفضّلًا حماية المدينة وحقن دماء أبنائها على حساب منصبه.

كان ذلك الموقف فاصلاً في تاريخ الرجل؛ موقفًا وطنيًا شجاعًا قدّم فيه الوطن على الكرسي، والإنسان على السياسة، والضمير على الأوامر. فدفع ثمنه إقالةً ظالمة، وتقاعد قسري ثم احتجازًا في المملكة العربية السعودية، التي ذهب إليها بدعوة رسمية، في خطوة لم تُراعِ أبسط الأعراف الدبلوماسية ولا مكانة الرجل العسكرية والوطنية

ومع كل ما تعرّض له، يبقى الفريق الركن الدكتور محسن الداعري رقمًا صعبًا في المعادلة الجنوبية، ورمزًا لقائد لم ينكسر أمام الضغوط، ولن تنال منه الإقصاءات ولا القيود انه ليس مجرد شخصية عسكرية، بل مشروع وطني، وتجربة قائد اختار أن يكون في صف شعبه لا في صف الفوضى، ومع اردة الشعب لا ضدها، ومع الحياة لا مع الدم وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجنوب، لا كوزيرٍ سابق، بل كأيقونةٍ مضيئة كتبت موقفها قبل أن تُكتب سيرتها.

متعلقات