الثلاثاء-27 يناير - 02:20 ص-مدينة عدن

بائع الماء طفلٌ يحمل خريطة بلدٍ منهك تحت أظافره

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 12:22 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" أيهم محمد



كانت يداه وهما تمدان إلي علبة الماء الباردة تحكيان قصة أطول من أي بيان سياسي الأصابع المتشققة الأظافر المحاطة بحواف سوداء تشبه خريطة مصغرة لبلد منهك ابتسم وكان في ابتسامته ذلك التناقض الكبير الذي يلخص القرون براءة طفل حرم من طفولته وصبر قديس لم يختر قداسته.

على الرطام البلاستيكي إلى جانبه انتصبت أطياف اليمن وجوه مصقولة على القماش تبتسم ابتسامات ثابتة لا تعرف الجوع كانت الأعلام تلوح في صمت مريب نحو زبائن لا ينظرون إليها لقد تحولت الرموز إلى سلع تحولت العقائد إلى ديكورات يمكن شراؤها بقيمة أقل من علبة الماء التي في يدي أتساءل أليست هذه هي النكتة التاريخية العليا أن ينتهي المطاف بالأيديولوجيا بكل خطاباتها النارية ووعودها الجارفة إلى أن تكون بضاعة هامشية يبيعها طفل جائع على قارعة الطريق بين الغبار وبصاق المارة.

قال إنه ترك المدرسة لإطعام إخوته الكلمات سقطت ببساطة كحجر في بركة راكدة لم يكن فيها حدة التظلم ولا مرارة التحدي كانت مجرد حقيقة عارية ملساء ومستديرة لا تمسك بها في هذا التوقيف للتعلم هناك شيء أكثر من مجرد فقر هناك انقطاع في سفر الذاكرة الجماعية التاريخ لا يكتب بل يباع والمستقبل يؤجل إلى إشعار آخر ربما بعد تناول وجبة العشاء
حز في خاطري كما قال ولكن ما هو هذا الخاطر إنه ذلك الفراغ اللطيف حيث نخبئ عجزنا المؤقت شعورنا بالحزن هو ترف فكري نحن نستمتع به للحظة كرائحة قهوة عابرة قبل أن نعود إلى شؤوننا أما هو فلا يملك هذا الترف حزنه مادي عضوي يقاس بأرغفة خبز ودفعات مدرسية إنه لا يتأمل الظلم إنه ينام معه ويستيقظ عليه.

أردت أن أبصق على الصور كانت رغبة صادقة بريئة تخرج من غريزة التمرد على اللامعنى لكن البصاق سيسقط على الرصيف وسيجف تحت الشمس ولن يصل إلى الوجوه المرسومة تلك الوجوه محصنة في قصورها في خطاباتها في واقع مواز لا يلتقي أبدا بواقع الأسمال البالية والعلب البلاستيكية العنف الحقيقي ليس في البصاق بل في هذا التلاقي المستحيل بين رمزين رمز السلطة المطلقة على القماش ورمز العوز المطلق على الرصيف كلاهما يشيران إلى الوطن لكنهما يعيشان في كونين متوازيين لا يلتقيان إلا في هذه اللحظة الساخرة عند كشك هذا الطفل.

دفعت ثمن الماء أخذت العلبة البرودة انتقلت إلى كفي كانت شيئا حقيقيا بينما الصور والأعلام بجانبه ظلت أوهاما تنتظر مشتريا قد يأتي أو لا يأتي وحدها علبة الماء كانت ستشرب وستروي عطشا ما وحدها كانت ستؤدي وظيفتها في هذا العالم أما الباقي فكان مجرد ضجيج بصري مرافقة صامتة لمأساة أكبر من أن تحتويها أية صورة.

متعلقات