القضية الجنوبية واستحقاق استعادة الدولة
الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 08:26 م بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" عوض أحمد الحني
بسم الله الرحمن الرحيم،
في ظل التحولات السياسية المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، تقف القضية الجنوبية اليوم أمام منعطف تاريخي بالغ الأهمية، يتطلب من الجميع قراءة واعية للواقع، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن الخلافات الهامشية والحسابات الضيقة.
إن القضية الجنوبية ليست قضية مطالب خدمية أو تسويات مرحلية، بل هي قضية شعب وهوية وحق تاريخي، تشكل عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء الجنوب في سبيل استعادة كرامتهم وبناء دولتهم المنشودة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي حلول جزئية أو مشاريع منقوصة لا يمكن أن تشكل أساسًا عادلًا لمعالجة هذه القضية. وعليه، فإن الخيار الذي يعبّر بصدق عن إرادة الشعب الجنوبي يتمثل في استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة بحدود ما قبل عام 1990. وهذا الخيار ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل هو قرار شعبي راسخ، وأي مسارات بديلة لن تحظى بالقبول الشعبي لأنها تتجاهل جوهر القضية وتفرغها من مضمونها الحقيقي.
وتأكيدًا على وضوح الرؤية السياسية للشعب الجنوبي، فإن مطالبته لا تنحصر في استعادة كيان مجرد، بل تتمثل في استعادة دولته المعروفة تاريخيًا بـ(جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، على أن تُبنى في مرحلتها القادمة بصيغتها الحديثة تحت مسمى (دولة الجنوب العربي الفدرالية الحديثة)، دولة قائمة على أسس الشراكة الوطنية، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، بما يواكب متطلبات العصر ويحقق تطلعات الأجيال القادمة.
ومن الناحية القانونية، فإن حق شعب الجنوب في تقرير مصيره يستند إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذان يكفلان للشعوب حقها في تقرير مصيرها بحرية. كما أن هذا الحق يُعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي، ولا يسقط بالتقادم، ولا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه تحت أي مسمى سياسي أو تفاوضي. وعليه، فإن مطالبة شعب الجنوب باستعادة دولته تمثل ممارسة مشروعة لحق قانوني أصيل، وليست خروجًا عن الشرعية الدولية.
إن المرحلة الراهنة تستوجب من كافة القوى والمكونات الجنوبية تغليب المصلحة الوطنية العليا، والعمل بروح الشراكة والمسؤولية التاريخية، فالقضية الجنوبية أكبر من أي طرف، وأسمى من أي حسابات فردية، ولا يمكن تحقيق أهدافها إلا بوحدة الصف وتكامل الأدوار.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي كان له دور محوري لا يمكن إنكاره في إيصال صوت الجنوب إلى المحافل الإقليمية والدولية، وفي وضع اللبنات السياسية والتنظيمية التي تمثل نواة مشروع الدولة الجنوبية القادمة. وإن الحملات الإعلامية الموجهة ضده في هذا التوقيت الحساس لا تخدم القضية، بل تُضعف الموقف الجنوبي وتمنح الخصوم فرصًا مجانية للنيل من مشروعنا الوطني.
الاختلاف في الرؤى أمر مشروع، لكن تحويله إلى صراع إعلامي أو تبادل للاتهامات يهدد وحدة الصف ويصرف البوصلة عن الهدف المركزي. المطلوب اليوم خطاب سياسي ناضج، يفتح أبواب الحوار، ويعزز الثقة، ويكرّس ثقافة الشراكة الوطنية.
إن الجنوب يقف أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن نرتقي جميعًا إلى مستوى التحدي ونصطف خلف مشروع وطني واضح المعالم يتمثل في استعادة الدولة، أو نستنزف أنفسنا في دوائر خلاف لا تخدم إلا أعداء القضية.
وعليه، فإنني أوجّه رسالتي إلى كل أبناء الجنوب، وإلى كافة الفاعلين في المشهد السياسي: تمسكوا بحقكم المشروع، واحموا قضيتكم من التشتت، وقدّموا مصلحة الوطن على كل اعتبار. فإرادة الشعوب لا تُكسر مهما طال الزمن، وما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بوحدة الصف، ووضوح الهدف، والصبر الاستراتيجي.
الجنوب قادم بإرادة أبنائه،
ودولته قادمة بتضحيات شعبه،
والتاريخ لا يرحم من فرّط بحقوق الأوطان.
صادر عن
الناشط السياسي / عوض أحمد عوض الحني