حين تتحول السلطة إلى خصم.. مخاطر التهاون بالحقوق وانهيار منظومة حماية الملكية
السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 01:34 ص بتوقيت العاصمة عدن
اليمن " عدن سيتي " تقرير: إبراهبم ناجي
لم يعد الاعتداء على الحقوق سلوكًا فرديًا طارئًا أو تجاوزًا معزولًا، بل تحوّل في بعض البيئات إلى نهج مقلق تمارسه جهات يُفترض أنها وُجدت لحماية القانون لا لخرقه. ومع اتساع هذه الظاهرة، لم يعد الخطر محصورًا في فعل النهب ذاته، بل في شرعنته، وتغليفه بخطاب زائف عن “تشجيع الأعمال” و“صناعة التحول”، حتى بات الباطل يُسوَّق باعتباره سياسة، والظلم يُقدَّم كخيار تنموي.
في مناخ كهذا، يتجرأ المعتدون أكثر، ويتسع الطمع في السطو على الملكيات الفكرية وتقليد العلامات التجارية، بينما تنمو طبقة من المستفيدين ترى في الفوضى فرصة، وفي انهيار المعايير بابًا للربح السريع، ومع الوقت، تتحول التصرفات غير المسؤولة إلى أدوات ضغط يومية على المجتمع، فيغدو القلق والخوف جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
حين يُكافأ الفساد ويُجرَّم الحق
الفساد حين يتغلغل في المؤسسات لا يكتفي بإضعافها، بل يعيد صياغة القيم نفسها. في هذا المناخ المقلوب، لا يعود الفاسد متخفيًا، بل يفاخر بفساده، ولا يرى المرتشي في فعله جريمة، بل “جهدًا” أو “استحقاقًا”، وربما فضيلة يتقرب بها، لأنه، في منطقه المشوّه، أحق بحقوق غيره، وأجدر بالاستيلاء عليها و”استثمارها”.
هذا الانقلاب القيمي هو الأخطر على الإطلاق؛ إذ تتحول السرقة إلى ممارسة عادية، ويُنظر إلى احترام الحقوق باعتباره سذاجة لا التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، وتصبح النزاهة عبئًا بدل أن تكون أساسًا.
من راعٍ للأعمال إلى أداة قمع
الأشد خطورة أن تنقلب بعض الجهات من دورها التنظيمي والرقابي إلى أدوات تهديد ومصادرة ونهب، تحت ذرائع محاربة الفوضى أو دعم التحول الاقتصادي..
فعندما تُصادر وكالات تجارية أو أصول لشركات وبيوت أعمال بنت سمعتها عبر عقود، ثم تُمنح هذه الممتلكات لمتنفذين أو لمن يدفع أكثر، تصل إلى السوق رسالة واحدة واضحة: لا قانون يحميك، ولا حق يصمد أمام النفوذ.
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن بيئة استثمارية جاذبة ضربًا من الوهم.. فكيف يثق المستثمر بسلطة لا تحترم القوانين التي أصدرتها بنفسها؟ وكيف يأمن التاجر على مشروعه، وقد بات يخشى الإفصاح عن نشاطه أو الترويج لنجاحه، خوفًا من متربصين يرون في كل إنجاز غنيمة محتملة؟
الملكية الفكرية.. خط الدفاع الأول عن الاقتصاد
إن التهاون في حماية الملكية، المادية والفكرية على السواء، لا يضر الأفراد فحسب، بل يهدم ركائز الاقتصاد بأكملها.. فالملكية الفكرية هي روح الابتكار، وحين تُستباح العلامات التجارية وتُقلَّد المنتجات دون رادع، تُقتل المنافسة الشريفة، ويُعاقَب المجتهد، ويُكافَأ المقلِّد، اقتصاد بلا حماية للحقوق هو اقتصاد طارد للاستثمار، عاجز عن النمو، ومحكوم بإعادة إنتاج الفوضى والمتنطعين. وهو البيئة المثلى لتغوّل الفساد، حيث تُستخدم القوانين بانتقائية ضد الضعفاء، وتُعلَّق لصالح الأقوياء.
تحذير لا يحتمل التأجيل
إن أخطر ما تواجهه الدول والمجتمعات ليس فقط ضياع الحقوق، بل تطبيع انتهاكها. فحين تعتاد السلطة تجاوز القانون، ويصمت المجتمع خوفًا أو يأسًا، يتحول الظلم إلى قاعدة، ويغدو الاستقرار وهمًا هشًا سرعان ما ينهار.
تشويه بيئة الأعمال
التجارب الاقتصادية والسياسية تؤكد أن الأسواق لا تُدار بالقوة، وأن رأس المال لا يزدهر تحت التهديد، وأن الثقة أيها السادة، متى ما انهارت، تحتاج سنوات طويلة لإعادة بنائها.. والاستمرار في مصادرة الحقوق وتشويه بيئة الأعمال لن يؤدي إلا إلى هروب الاستثمارات، وتجفيف السوق من الكفاءات، وتعميق الأزمات بدل حلّها.
تواطئ الفوضى مع الجهل
والمؤلم في هذا المشهد، أن مثل هذه السلطات، وهي تمعن في تجاوز القانون، تجد من يساندها في بعض النفوس المريضة، وفي أصدقاء زائفين، وفي حاقدين عملوا معك يومًا أو يلامسون ذات النشاط التجاري، بعضهم لا يتورع عن مراسلة شركتك في الخارج، محاولًا الاستحواذ على وكالة تاجر آخر بلا حياء أو خجل أو أدنى إحساس بالمسؤولية الأخلاقية، مستندًا إلى مناخ يرى في الانتهاك فرصة، وفي الخيانة وسيلة صعود.
مراسل تقارير واهية
وقد يكون الأكثر مرارة أن يأتي الطعن من أقرب الدوائر؛ زميل شاركك الطريق، أو شخص أحسنت إليه واحتويته، فيتحول فجأة إلى مراسل تقارير واهية، خائبة ومضحكة في تفاهتها، لا لشيء إلا لأنها كُتبت بعقلية صغيرة وجدت في الانحدار وسيلة للانتقام.
حين تنكشف الخديعة
ثم هناك من وثقت به حدّ الأخوّة، عاملته كابن أو كمتعلم بين يديك، فإذا به يحتال وينصب، وحين تنكشف الخديعة وتظهر الطامة، لا تجد من يقف إلى جانبك أو يستنكر، بل تفاجأ بمن يمد يد العون لتلك الحثالات، ويضع في أيديهم ما يكفي لإطلاق الرصاصة عليك من المسافة الصفر.. عندها فقط تدرك، متأخرًا، أنك مددت يديك لمن لا يستحق، فعادت إليك خاوية، وتدرك كم كنت واهِمًا حين ظننت أن النزاهة وحدها تكفي، وأن الإحسان يُقابل بالإحسان، في واقعٍ تآكلت فيه القيم، وتحوّل فيه الصمت على الظلم إلى شراكة غير معلنة.
يدسّون السم في المائدة
ولا عجب في هذا الواقع المؤلم، حين ترى بعض كبار المتنفذين يدسّون السم في المائدة ذاتها التي يجلسون إليها؛ يؤذون هذا، ويضيّقون على ذاك، ولا يتورعون عن العبث بالمؤسسات العامة، حتى تمتد أياديهم إلى كل موقع ومفصل من مفاصل الدولة.. انشغلوا بالفساد أكثر مما انشغلوا بالبناء، فلم يضيفوا لبنة واحدة إلى إرثٍ أو اقتصاد، بل تركوا خلفهم خرابًا إداريًا وأخلاقيًا يثقل كاهل الدولة والمجتمع معًا.. إنه واقع سيئ بامتياز، واقع تتآكل فيه الثقة من الداخل، وتُستنزف فيه القيم كما تُستنزف الموارد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
باختصار.. لا تغيير بلا قانون
لا يمكن الحديث عن تحول اقتصادي أو إصلاح مؤسسي في ظل سلطة لا تحترم القانون، ولا عن تشجيع أعمال في بيئة يُصادر فيها الحق وتُشرعن فيها السرقة، حماية الملكية ليست ترفًا تشريعيًا، بل شرطًا وجوديًا لأي دولة تطمح للاستقرار والنمو.. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد المجتمع الظلم، وأن يُنظر إلى انتهاك الحقوق بوصفه أمرًا طبيعيًا.. عندها لا ينهار الاقتصاد وحده، بل تنهار الثقة، ومعها يتبدد أي أمل في مستقبل آمن وعادل.
نعم.. حين تصبح القلاع أوكارًا، والأسوار العالية ممراتٍ للسرقة، تسقط هيبة الدولة قبل أن يسقط جدار واحد.