بين مسافة القصف والدعوة إلى الحوار: محدداتٌ وهمية.. وحلول تُنسج على منصات رقمية!

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 07:00 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



في لحظةٍ مفصليةٍ يختلط فيها دم الأبرياء في سهول حضرموت وجبال الضالع بدخان قذائف التحالف، تُطرح أسئلةٌ وجوديةٌ عن معنى السيادة، وعن الفجوة السحيقة بين منطق القوة العارية ونداءات التفاوض؛ فبينما كانت القوات المسلحة الجنوبية تتحرك وفق توافقٍ داخليٍ مُعلنٍ بين أربعةٍ من أركان مجلس القيادة الرئاسي، لأهداف معلومة وهي القضاء على الإرهاب والتهريب للحوثي والفوضى التي شهدتها تلك المحافظات جاء الرد سعوديًا بصواريخ الطيران، وكأنما تُختصر إرادة شعبٍ، وتُحشر قضيته العادلة، في زاوية الأمر الواقع المُفَرض بقوة النار.

هذا القصف الهستيري، الذي لم يُبقِ على حجرٍ ولا بشرٍ بحجة تنفيذ أوامر، يأتي من جهةٍ تدّعي الالتزام بشرعيةٍ توافقيةٍ لا تملك – بحسب نصّ النظام الأساسي – صلاحية الإصدار الفردي. فكيف تُمارس وصايةً على قرارٍ بذريعة شرعيةٍ هي نفسها تُكبّل يد صاحبها؟! إنها ورطةٌ مزدوجة: خرقٌ صارخ للسيادة، وسفكٌ للدماء يُناقض الادعاء الإنساني.

ومن قلب هذه الورطة، يخرج المخرج الهزلي: دعوةٌ مفاجئةٌ لحوار جنوبي – جنوبي، تُقدمها شخصياتٌ من خارج الجغرافيا على شكل وثيقة، لتمرّر عبر قنواتٍ غير مباشرة. والأغرب أن صاحب الدعوة الحقيقي، كما تكشف الوقائع، هو الطرف الذي أشعل النار أولًا، ليجعل من الحوار غطاءً لضربةٍ كانت قد سُبقت بإنذار والحل بيده وحده ثانيًا. فماذا بقي لرشاد العليمي من وجه يحترم في الجنوب المرتزقة والباحثين عن المناصب.

ومن هنا تتحول الدعوة للحوار من أداة حلّ إلى أداة تضليل؛ فالمسار المُقترح وما يوصل بين المتحاورين الجنوبيين الاغبياء– بحسب الرؤية السعودية – يؤجل جوهر القضية إلى ما بعد الحرب في مسار خريطة الحل السياسي الشامل، في تجاهلٍ صارخٍ لإرادة شعبٍ يطالب بحقه الآن. إنه، بعبارة السياسة الواضحة، ليس حلاً بل تخبطًا للخروج من مأزق التورط العسكري والأخلاقي بحق الأبرياء والقوات التي كانت سندًا منيعًا ضد المد الفارسي.

ولم تكن الدعوة بريئةً في منهجها؛ فبدلاً من فتح باب النقاش حول مستقبل الجنوب، سارعت إلى وضع وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في زاوية الإكراه والضغط المباشر، بهدفٍ واضحٍ هو تفكيك هذا الكيان وإلغاء هيئاته، من دون ضماناتٍ مكتوبةٍ أو اتفاقاتٍ مسبقةٍ تحفظ الحدود الدنيا من الحقوق، وكأنما المُطلوب ليس حوارًا، بل استسلامًا يُقدّم على طبق من صمت الأسلحة.

وفي منعطفٍ يُثير الاستغراب، حوّلت الدبلوماسية السعودية الرصينة – أو هكذا يفترض – منصات التواصل الاجتماعي (تويتر وفيسبوك) إلى ساحاتٍ رئيسةٍ لإعلان المبادرات المصيرية ونشر الحلول الجاهزة. إنه مشهدٌ يختزل فوضى الإعلام البديل، ويناقض أبجديات العمل المؤسسي والدبلوماسي الرصين، حيث تُصنع القرارات المصيرية في الغرف المغلقة، ثم تُعلن للرأي العام عبر تغريدة عابرة، فتُهدر هيبة الدولة وثقلها السياسي في فضاءات الرقميات المُتخمة بالضوضاء.

واللافت أن الحملة الإعلامية والسياسية ركزت على تحميل رئيس المجلس الانتقالي، الرئيس الزعيم القائد عيدروس الزبيدي، مسؤولية أحادية قرار الدخول العسكري، في محاولةٍ واضحةٍ لفصل شخصه عن توافقه مع ثلاثةٍ من أعضاء المجلس الرئاسي، وعن مشروع الشعب الذي يمثله. إنها محاولةٌ لتحويل الصراع من قضيةٍ جماعيةٍ إلى خلافٍ شخصي، تمهيدًا لتفكيك المشروع الجنوبي من خلال تفكيك رموزه.

ولذلك، فإن أي دعوةٍ للحوار تفتقر إلى الشرط الأساسي: الاعتراف بالإرادة الشعبية الجنوبية كما تجسدت في كياناتها المُفوضة للرئيس الزعيم عيدروس بن قاسم الزبيدي؛ لأن حلُّ أي كيانٍ سياسيٍ بمثل حجم وثقل المجلس الانتقالي الجنوبي، من دون انعقادٍ مؤسسيٍ كامل النصاب، ومنودون مناقشةٍ علنيةٍ أمام شعبه، هو إجراءٌ باطلٌ قانونيًا وسياسيًا. وغِياب رئيس المجلس المفوض شعبيًا عن أي مفاوضات تُناقش مصير كيانه، يسقط الصفة الشرعية عن أي وفدٍ لا يحمل تفويضًا صريحًا بالإلغاء، ويجعل أي قرارٍ يصدر في هذا الشأن لاغيًا شكلًا ومضمونًا.

وحتى لو افترضنا – جدلاً – أن الوفد وقع تحت وطأة الإكراه أو الضغط السياسي المباشر، فإن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية تُبطل أي اتفاقٍ يُنتزع تحت التهديد، مما يجعل هذه المسرحية بكل فصولها عديمة القيمة القانونية والأخلاقية.

إن الدولة التي تمتلك تاريخًا دبلوماسيًا ثقيلاً، لا يُعقل أن تضع نفسها في موقع الوصي الذي يهدد ويلغي بإرادته المنفردة. فالوصاية على إرادة الشعوب هي أخطر انتهاكٍ لسيادتها، وأبلغ صورةٍ عن الاستعلاء الذي يرفضه القانون الدولي وتأباه الأخلاق السياسية.

والأكثر إثارةً للاشمئزاز، هو تحويل هذا الاستعلاء إلى خطابٍ إعلاميٍ مُزيفٍ، يُصوّر قرار الإلغاء المُنتزع تحت الضغط على أنه شجاعة وتضحية! إنه قلبٌ للحقائق، وتضليلٌ سافرٌ للرأي العام.

خلاصة الأمر: عندما تتحول التغريدة إلى أداةٍ لإدارة الصراعات المصيرية، وعندما تُعلن القرارات الفاصلة في مستقبل شعبٍ من خلال منصات رقميةٍ عابرة، فاعلموا أن الموقف برمته فقد جوهر الجدية، واستبدل منطق الدولة بمنطق الارتجال. إنها سخريةٌ مأساوية من كرامة الشعوب وإرادتها.

لذا، فنحن نطالب الأشقاء في المملكة العربية السعودية، بمنطق الأخوة والمسؤولية التاريخية، بالكف عن هذه المسرحية، والسماح للوفد الجنوبي بالكلام بحريةٍ دون ضغوط، والاعتراف بأن ما جرى ليس حوارًا بل محاولةٌ للإلغاء القسري. ونقول بصوتٍ واضح: إن القرار المتداول بإلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته، هو محاولةٌ فجةٌ لاغتيال المشروع السياسي للجنوب، بعد أن فشلت في مواجهته على الأرض. وهو تناقضٌ فاضحٌ لمن يدّعي السعي لحلٍ شامل، ثم يبدأ بهدم البيت من داخله.
فالشعب الجنوبي، الذي ناضل لعقود، لن تذهب تضحياته سدى، ولن تُسرق إرادته عبر تغريدات أو في غرفٍ مغلقة ولا حتى طائرات الجو؛ فالحق أقوى من كل مدفع، والإرادة أبقى من كل مؤامرة.

كلمة للتاريخ

متعلقات