الجمعة-09 يناير - 06:34 م-مدينة عدن

عن وهم الوحدة ونهج الإقصاء: قراءة في ارتدادات صيف 94

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 11:00 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات



بين أروقة السياسة المثقلة بغبار التاريخ وتكرار المأساة، تطل علينا من جديد ملامح عقلية الهيمنة التي تأبى إلا أن تعيد إنتاج نفسها، مستعينة بذاكرة قميئة لا تجيد سوى لغة الإقصاء ونقض المواثيق. فما أقدم عليه رشاد العليمي مؤخرا من قرارات تعسفية استهدفت رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعددا من الوزراء والمحافظين في الحكومة، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الطويل الذي يربط بين ذهنية الاحتلال وتكتيكات الغدر السياسي، فهو فعل يتجاوز في حقيقته مجرد التجاوز القانوني أو خرق اتفاقات الشراكة ونقل السلطة، ليصبح مرآة صقيلة تعكس روح صيف عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين، حين ظن الواهمون أن جنازير الدبابات يمكنها أن تصادر هوية وطن أو تمحو إرادة شعب.
اذ ان هذه القرارات التي وُلدت مشوهة من رحم العبث السياسي، تشبه إلى حد التطابق المذهل تلك القرارات التي اصدرها نظام عفاش عقب اجتياح الجنوب، حيث تم التعامل مع الشريك كأنه موظف في ديوان الرئاسة يمكن الاستغناء عنه بجرّة قلم، متناسين أن الشرعية الحقيقية لا تستمد من أوراق مهترئة تُوقع من خلف المكاتب الوثيرة، بل من تفويض شعبي ممهور بالتضحيات الجسام. ومع ذلك، فإن القراءة الفاحصة لهذا المشهد تدفعنا إلى عدم الأسف على فض هذه الشراكة الصورية، بل إننا نكاد نرى في هذا الإقصاء فرصة تاريخية طال انتظارها، فقد بحت أصواتنا وهي تنادي المجلس الانتقالي بضرورة التحلل من قيود هذه التبعية والانسحاب من حكومة لم تقدم للجنوب سوى الأزمات المفتعلة والانهيارات المعيشية الممنهجة.
لإن الشراكة مع قوى لا تؤمن بالحق الجنوبي كانت منذ بدايتها رهانا على سراب، وما أحداث حضرموت والمهرة الاخيرة وصولا إلى عدن إلا شواهد حية على أن الطرف الآخر لم يغادر قط خندق العداء، بل كان يستخدم واجهة الشراكة كغطاء لتنفيذ احتلال ثالث بوجوه جديدة. ولعل من محاسن القدر أن يأتي هذا الإقصاء بقرار من الخصم نفسه، ليريح المجلس الانتقالي من عبء أخلاقي وسياسي ثقيل، ويمنحه الشرعية الكاملة للتحرك بعيدا عن مناورات المكاتب وقريبا من نبض الشارع، حيث تصبح المكاسب السياسية والاقتصادية والقانونية أكثر وضوحا حين يتحرر القرار الجنوبي من أغلال الوظيفة الرسمية في منظومة الاحتلال.
بيد أن الصورة تشتد قتامة حين ننظر إلى الصمت المريب والجمود القاتل الذي أبداه بقية المسؤولين الجنوبيين في مجلس القيادة الرئاسي وحكومته، فبينما كان سيف العزل يسلط على رقاب زملائهم وقادتهم، آثر هؤلاء التمسك بمقاعدهم الوثيرة وكأن الأمر لا يعنيهم، أو كأن القضية الجنوبية التي يدعون حملها كانت مجرد جسر للوصول إلى بريق السلطة. وهذا الموقف المتخاذل يضعنا أمام تساؤل وجودي وعميق حول طبيعة الولاء، فكيف يمكن لهذا الشعب الذي سكب دمه في الميادين أن يثق بمن يفضل البقاء في حضن منظومة قمعت أهله وسفكت دمائهم في حضرموت والمهرة والضالع على اتخاذ موقف مبدئي يحفظ كرامة رفاقه فالركون إلى المناصب في لحظة المواجهة الفاصلة ليس إلا تفريطا علنيا بالقضية، وهو برهان ساطع على أن البعض قد استمرأ دور التابع مقابل فتات السلطة، متناسين أن التاريخ لا يرحم الذين يبيعون ثوابت وطنهم مقابل حطام زائل في حكومة لا تملك من أمرها شيئا أمام إرادة الشعوب الحرة.
ونحن اليوم أمام لحظة فرز حقيقية، تميز بين من يحمل هموم الوطن ومن يحمل هموم جيبه، وبين من يرى في الجنوب قضية حياة أو موت ومن يراه مجرد منصة للتكسب السياسي. وسقوط الأقنعة هو أولى خطوات التحرر، وما يفعله العليمي اليوم ليس إلا تسريعا لعملية الانفصال الوجداني والسياسي الكامل، ودافعا نحو رص الصفوف الجنوبية خلف مشروعها الوطني الأصيل، بعيدا عن دهاليز الشراكات المسمومة التي أثبتت الأيام أنها لم تكن سوى فخاخ نصبت لإضعاف الموقف الجنوبي وتشتيت قواه الحية، ليبقى الجنوب شامخا بإرادته، عصيا على الترويض، ومستعدا لاستعادة سيادته بعيدا عن حسابات المصالح الشخصية الضيقة التي سقط فيها من ظنوا أن الكرسي أبقى من الوطن.

متعلقات