الجمعة-09 يناير - 02:15 ص-مدينة عدن

وزير الخارجية اليمنية الاسبق.. حوار الرياض: استحقاق الدولة الجنوبية أم إدارة الانهيار؟

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 11:58 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" خالد اليماني



منذ حرب اجتياح الجنوب عام 1994، حين قرر نظام صنعاء إخضاع الجنوب بقوة السلاح، لم تهدأ براكين الغضب الجنوبي، بل أعادت تشكيل نفسها في مسارات متعددة من النضال السياسي والشعبي السلمي. وقد بلغ هذا الوعي ذروة نضجه مع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي، الذي مثّل أول تعبير جماعي منظم عن رفض نتائج حرب الإلحاق وفك الارتباط، قبل أن تتوالى تطوراته التنظيمية والسياسية، وصولًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 بوصفه الحامل السياسي الأوسع للقضية الجنوبية.

وكان الحوار، ولا يزال، العنوان الجامع لكل المسارات الجنوبية. غير أن الحوارات الجنوبية، في مختلف مراحلها، لم تكن دائمًا على قلب رجل واحد؛ فقد تمايزت بين من أرادها أداة للوحدة الوطنية الجنوبية، وبين من سعى إلى اختطافها وتوظيفها في خدمة أجندات ومصالح شخصية وجهوية وتدميرية. وفي مواجهة الحوار والتصالح الجنوبي، تمثلت أداة نظام صالح الفاعلة ضد الجنوب في تفريخ الجماعات الإرهابية والعصابات الإخوانية، لنشر العنف والفوضى في الجنوب.

وحين أستحضر اليوم مفهوم الحوار، لا يسعني إلا أن أتذكر الحوار الوطني الشامل في صنعاء، وكل محاولات استدراج الجنوبيين إلى مشاريع براقة تحت مسميات "الوحدة العادلة"، و"الدولة الاتحادية"، و"الأقاليم". وحين انسحب ممثلو الجنوب اعتراضاً، جرى استنساخهم بآخرين، لتُصاغ من جديد وعود مؤجلة لا تزال تتكرر حتى اللحظة: أن القضية الجنوبية عادلة، وأن حلها ممكن داخل الدولة اليمنية الواحدة.

لكن السؤال البديهي الذي لم يُطرح بصدق يوماً هو: متى عرف اليمن دولة عادلة وموحدة؟ ومتى قبل الجنوبيون العيش تحت مظلة حكم شمالي زيدي قهري؟

بعد تحرير عدن في أغسطس 2015، طرحتُ على فخامة الأخ الرئيس عبدربه منصور هادي، وهو الرئيس الذي حظي بإجماع جنوبي نادر، رؤية واضحة لحل المعضلة الجنوبية، تقوم على الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي شامل في عدن المحررة، يوسّع من قاعدته الشعبية، ويؤسس لشرعية نابعة من الداخل. كان الرئيس هادي، بحكم الواقع، معزولاً شمالاً، غير معترف به من القوى التقليدية، رغم كل ما قدّمه لها، لأنه ببساطة لم يكن ابن الحاضنة الزيدية التي حكمت شمال اليمن، ثم أعادت إنتاج سلطتها في الجنوب بعد الوحدة عبر نظام صالح. وكان، مع الأسف، واقعاً تحت سيطرة الإخوان المسلمين، الذين تركوه وحيداً في صنعاء يواجه مصيره مع الحوثيين، مولّين الإدبار، ثم عادوا ليحيطوا به في الرياض حين استقر به الحال هناك.

لم يرحّب الرئيس هادي بتلك الأفكار، لكنه في الوقت ذاته غض الطرف ولم يقف عائقاً أمام تطور أشكال النضال السياسي الجنوبي. وبرغم كل شيء، ظل في تقديري رجل دولة كبيراً، تعرض لمؤامرات من أقرب المقربين، أولئك الذين يتصدرون المشهد اليوم، متهمين إياه بكل أصناف الفشل والعجز، من دون أن يسألوا أنفسهم ماذا صنعوا هم باليمن سوى المزيد من الإفساد والتقتيل والتجويع.

ثم جاءت مشاورات الرياض في أبريل 2022 لتنهي عهد الرئيس هادي، وتستبدله بمجلس القيادة الرئاسي ذي الأعضاء الثمانية. ورغم كل المآخذ على هذا الترتيب، فإن حسنتَه الوحيدة، وربما الأهم، تمثلت في منح الجنوبيين صوتاً متساوياً مع الشماليين، ما أعاد إحياء فكرة تقرير المصير في الوعي السياسي الإقليمي والدولي.
غير أن المعادلة القديمة ذاتها بقيت حاضرة: وعود براقة بحلول مؤجلة، مشروطة بتسوية سياسية محتملة مع الحوثيين، في مستقبل غير معلوم.

خلال السنوات الثلاث الماضية، تقدمت رؤية الجنوب المستقل بقوة في الشارع الجنوبي، وبلغت ذروتها في الأسبوع الماضي بإطلاق الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي الجنوبي. وهو ما فجّر غضب القوى الشمالية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي رأت في هذا المسار تهديداً وجودياً لموقعها في ترتيبات ما بعد السلام، خصوصاً أنها باتت خارج الجغرافيا، تعيش في الشتات، بينما ستكون القوى المهيمنة في أي تسوية شمالية هي قوى الأمر الواقع الحوثية.

شنّت هذه القوى حملات تشويه وتحريض غير مسبوقة ضد الجنوبيين، متهمة إياهم بالخروج عن "الإجماع الوطني" وإسقاط" أولوية المعركة ضد الحوثي"، مع أن الجميع يعلم، سراً وعلناً، أن حرب تحرير صنعاء ليست على جدول أعمال أحد، وأن ترتيبات السلام مع الحوثيين تمت وصارت أقرب بكثير من…..

‏أي مشروع تحرير.

وفجأة، تحوّل الجنوبي الذي قاتل في الساحل الغربي، وفي قعطبة، والبيضاء، وجنوب مأرب، إلى "انفصالي" و"أداة إماراتية" و "عدوٍّ مستباح دمه".
أقول ان من يظن بعدما حدث أن الجنوبي يمكن شراؤه، أو توجيه بندقيته خارج أرضه دون إرادته، فهو واهم. نعم، الحاجة المعيشية قاسية، لكنها لا تصنع ولاءً ولا تبني قضية. سيكون الجنوبي، إن أُجبر، حاضراً بالجسد، غائباً بالإرادة، ثائراً في قلبه، ولن يلين. فهل تعون ما أقول؟

ربما يكون المخرج من هذا المأزق في الرياض؛ فإن كان ما يرتضيه صانع القرار السعودي خارطة طريق مزمنة لتقرير مصير الجنوب تنتهي باستفتاء شعبي لنيل الاستقلال الجنوبي، بمشاركة من الرباعية الدولية والأمم المتحدة، فهذا أمر سيدخل السعودية صفحات التاريخ باعتبارها باحثةً عن حلول مستدامة لجيرانها الجنوبيين. أما إن كان الاختيار هو إعادة تدوير السرديات المكرورة، وسقوف ما دون الدولة، وتكرار الكلام الممجوج الذي نسمعه منذ عام 2011، فإن ذلك سيرجّح خيار الانهيار والسقوط في الفوضى.

وأكرر هنا، من موقعي كدبلوماسي جلّ التزامي بالنضال الجنوبي السلمي لنيل الاستقلال، أن مآلات ما يجري واضحة: مزيد من الانهيار لدولة فاشلة، ستتحول إلى بؤرة تهديد للاستقرار الإقليمي، وبيئة خصبة لكل أشكال الإرهاب والفوضى، التي تغذيها الشبكات الإخوانية.
والتاريخ القريب شاهد لا يكذب؛ من تفجير المدمرة الأمريكية USS Cole في ميناء عدن عام 2000، الذي نفذته القاعدة بتواطؤ نظام صالح، إلى كل ما تلا ذلك من توظيف دم الجنوب وقضاياه وقوداً لمشاريع سلطوية رخيصة. اقرأوا التاريخ، وستفهمون كيف يُقدَّم الجنوبي دوماً كبش فداء لأحلام الشماليين القابعين على رأس سلطة فاسدة ومتعفنة ومأزومة في غرف الفنادق.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

متعلقات