الإثنين-05 يناير - 07:06 ص-مدينة عدن

أمريكا فوق القانون: تاريخ البلطجة الدولية من بنما إلى العراق وأفغانستان… وفنزويلا اليوم

السبت - 03 يناير 2026 - الساعة 11:03 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" صبري عبيد



هذه هي أمريكا التي تتصدر خطاب “السلام” و“حقوق الإنسان” في العالم. تاريخٌ طويل من البلطجة السياسية وتغيير أنظمة الحكم بالقوة، يتكرر اليوم بصورة أكثر فجاجة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الحالم بجائزة نوبل للسلام، يعلن دخول القوات الأميركية إلى الأراضي الفنزويلية واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل القصر الجمهوري ونقلهما إلى خارج البلاد.
لم يحدث في التاريخ الحديث أن أقدمت دولة، خلال أقل من ساعة، على اقتحام دولة أخرى وخطف رئيسها المنتخب من قلب قصره، إلا الولايات المتحدة. المشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في بنما عام 1989، حين غزت القوات الأميركية البلاد واعتقلت رئيسها مانويل نورييجا ونقلته إلى واشنطن لمحاكمته هناك، في انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
وليس هذا السلوك استثناءً، بل نهجٌ ثابت في السياسة الأميركية. فقد جرى غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاك أسلحة كيماوية، وهي الكذبة التي اعترفت بها لاحقًا قيادات أميركية، وانتهت بتدمير دولة كاملة وقتل أكثر من مليون عراقي، غالبيتهم من النساء والأطفال والمدنيين، دون أي محاسبة أو مساءلة دولية حقيقية.
ثم تكرر المشهد في أفغانستان تحت شعار “محاربة الإرهاب”. عشرون عامًا من الاحتلال انتهت بانسحاب فوضوي في أغسطس 2021، وتسليم البلاد فعليًا لحركة طالبان، التي استولت على كميات هائلة من الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية كانت بحوزة الجيش والشرطة الأفغانية، تُقدَّر قيمتها بنحو 85 مليار دولار. هكذا تُدار الحروب الأميركية: احتلال، تدمير، فوضى، ثم تسليم السلاح لمن تصفهم هي نفسها بالإرهاب.
اليوم يتكرر السيناريو ذاته في فنزويلا، لكن بوتيرة أسرع وأكثر صدمة. نصف ساعة كانت كافية – بحسب الرواية المتداولة – لانهيار منظومة الدفاع الفنزويلية، مع تحليق مروحيات أميركية على ارتفاع منخفض فوق القصر الرئاسي في ميرافلوريس، ما يرجّح حدوث خيانة داخلية قبل أي تفوق عسكري خارجي.
هذه هي “الديمقراطية الأميركية”: كن تابعًا، فاسدًا أو ديكتاتورًا، لا مشكلة. أما إن تجرأت على تحدي الإرادة الأميركية، فمصيرك الاعتقال من قصرك الرئاسي. هكذا تُمنح جوائز السلام، وهكذا يُكافأ من يتعاون على تسليم بلاده.
ما يجري يكشف حقيقة النظام الدولي: قوانين بلا قيمة، ومواثيق لا تستحق الحبر الذي كُتبت به، ومجلس أمن عاجز يتحول إلى مظلة حماية للبلطجة الأميركية. السيادة الوطنية تُداس، والدول تُخطف، والثروات تُنهب بالقوة.
رئيس دولة كان في موقعه قبل ساعات، أصبح اليوم – بحسب ما أُعلن – أسيرًا لدى قوة عظمى. هذا ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة رعب إلى العالم بأسره:
من يرفض الخضوع، يُسحق… ومن يملك القوة، يصنع “الشرعية” كما يشاء.


اعداد صبري عبيد

متعلقات