ٱراء واتجاهات


أين تاه "فجر اليمن"؟

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 04:00 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب





سأل أحد الأصدقاء: أين تاه فجر اليمن؟ سؤال مشروع، بعد سقف الخطاب التبشيري بأن قرار الحسم قد اتُّخذ، ولم تبقَ سوى الميادين تشمّر عن سواعدها لاستقبال الفجر المنتظر. ثم تاه الفجر قبل أن ينبلج، فحروب الاستنزاف الطويلة دون مؤشرات حقيقية لا تصنع سوى خسائر بشرية!


الحقيقة أن السؤال عن "أين تاه فجر اليمن؟" قد يأخذ شقاً مجازياً، وهو جانب رحب يفتح أمام القارئ تأملات كثيرة حول حكاية الاوطان والثورات والحروب والحكم. فالفجر القديم قد بزغ يوماً من الدهر، ولم تكن صنعاء قد عرفها العالم مثلما يعرفها اليوم، وربما لم تكن جاهزة كثيراً أو قليلا، وما تزال، وتم التغني بذلك الفجر حتى اختلطت صورته في الذاكرة مع ما تلاها من خيبات وتحولات.


"قضية اليمن" ذابت الآن شيئاً فشيئاً في قضايا الكيانات والمكونات، وتوزع حضورها بين الإقليم والأيديولوجيات العابرة للحدود. فهناك طرف يرى نفسه جزءاً من محور مقاوم بانتظار عودة "بقية الله صاحب الزمان" من غيبته، وطرف آخر لديه تصوره المتصل بمشروع شامل لقيادة الأمة كل الأمة، منقح بفصول من خطاب المدنية (غير) الممنوع من الصرف.


كلاهما مشروع عابر للحدود والازمنة ولكن نحو الماضي، فيما يصبح الوطن تفصيلاً هامشيا في الأممية المجاهدة. أما الشرعية، وهي السلطة المعترف بها دولياً، فتجد نفسها في علاقة معقدة مع التحالف الذي جاء تحت عنوان إعادتها إلى صنعاء فابتعدت صنعاء عنها أكثر مثلما ابتعدت صنعاء عن صنعاء ذاتها.


"فجر اليمن" قد تؤلفه أعاصير الإقليم وعواصفه، هكذا ينسج البعض مراسيم قدومه مجازاً (برضه) على وقع "حرب يوم القيامة" على إيران، كما يتوقعها ويصفها بعض المحللين الذين لا يختلفون كثيراً عن "عائلة سيمبسون" في التنبؤات المثيرة للجدل، وهذا شأن آخر!


الإقليم يعيش بالفعل على إيقاع احتمالات الحرب، وربما حروب تتداخل في حرب واحدة، لكنها لا تصنع فجراً ولا تطيل عمراً. فحروب الإقليم، منذ الأزل، لا تلد شمساً جديدة، وإنما فواجع متتالية، وما أكثر الشموس التي وعدت بها الحروب، فلم تشرق سوى دخانا معتما وهباء وشظايا!


الحرب في اليمن أنجبت جيوشاً على الأرض، وجغرافيات حكم، ونخباً تتناوب السلطة والضيافات، وميليشيات إعلامية لها نجومها، بعضهم من طراز «جالاكتيكوس» بالمفهوم الرياضي الإسباني، يتصدرهم أصحاب المواهب الشعبوية والمهارات الاستعراضية في خوض مناوشات المنصات، التي ترفع مؤشر الانتروبيا الصاخبة إلى مستويات قياسية. وفي المقابل، جماهير محروقة وغاضبة ومحبطة، وفجر يقبع في أدراج القيادات، يُستدعى عند الحاجة كورقة مساومة مع الوقت، ليظل الوهم صالحاً للتداول.


والمفارقة أن الجميع في الفضاءات الرحبة يتحدث عن الجمهورية، و عن اليمن الكبير، ثم يبحث عنه بين الأدراج وعلى المنصات وتحت ظلال المدافع. الا أن صورة البلد تتوزع في خيالات مختلفة، لكل منها أولوياتها، ابعادها، والوانها، وحساباتها، حتى بدت في الواقع أقل حضوراً من القضايا التي تُرفع باسمها.


وهكذا يتضح أن ما يحضر في الخطاب، يغيب تدريجياً عن الواقع وعن الطريق الذي يسلكه كل طرف. وبين هدف يُنتظر وآخر يُستعاد من الذاكرة، يظل كل شيء مؤجلاً إلى إشعار آخر.


أما الجنوب، فإن قضيته لم تنجُ من ضغوط الخارج ومحاولات التحجيم ودعم التشظي في الداخل، كأنه يراد لها أن تتوزع بين مشاريع وحسابات متعددة، حتى يظل مستقبلها معلقاً على ما ستؤول إليه موازين القوى.


هكذا اذن الصورة التي نبشها الصديق في سؤاله؛ "اين تاه "فجر اليمن، عملية استعادة كل شيء؟". لا أحد يرى شيئاً الساعة.

ثم ماذا؟

ثم لم يبقَ أحد… ليس كما تخيلت أغاثا كريستي في روايتها التي تحمل هذا الاسم، وإنما كما تشاء تداعيات الحروب المركبة، بما تختلط فيها من عقائد وسياسات وحسابات داخلية وإقليمية، حتى تتوارى القضية الأصلية خلف قضايا الجميع.
أحمـــــــــــدع