ٱراء واتجاهات


تفكيك بنيوي لافتتاحية "عكاظ" والتحولات الجيوسياسية المترتبة عنها.

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 03:20 ص

الكاتب: م . محمد مساعد سيف - ارشيف الكاتب







تفكيك بنيوي لافتتاحية "عكاظ" والتحولات الجيوسياسية المترتبة عنها.

​
​تُمثّل الأدبيات السياسية والإعلامية الصادرة عن الصحافة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي -وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية- مِرآةً مكبرةً لتوجهات دوائر صنع القرار ومراكز الفكر الاستراتيجي. وفي إطار الأزمات الممتدة والمستعصية كالأزمة اليمنية، لا تُصنَّف الافتتاحيات والمقالات الصادرة عن الصحف الوطنية الكبرى بوصفها مجرد تحليلات صحفية أو وجهات نظر فردية للُكتّاب، بل تُقرأ بوصفها "رسائل سياسية موجهة عبر القنوات غير الرسمية"

​إن النبرة الحاسمة والنقد الجذري الموجه في افتتاحية صحيفة "عكاظ" للشرعية اليمنية والنخبة السياسية المنفية، يُمثّلان تحولاً نوعياً في خطاب التحالف؛ حيث ينتقل من مرحلة احتواء الأخطاء وتغليب الاعتبارات الدبلوماسية، إلى مرحلة المساءلة المباشرة وتفكيك بنيوية الفشل التي اتسمت بها إدارة المشهد من الخارج.

نناقش بهذه العجالة أبعاد هذا التحول، وموقفه من التوازنات الخليجية (الإمارات والمجلس الانتقالي)، وآفاق التهدئة السعودية-الإماراتية والمستقبل السياسي للنخبة اليمنية.

​أولاً: التفكيك العلمي والبنيوي لمأزق "الشرعية" والنخبة المنفية
​يمكن قراءة أزمة النخبة اليمنية المقيمة في الخارج من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
سوسيولوجية، واقتصادية-سياسية،واستراتيجية:
​1. السوسيولوجيا السياسية للنفاء والاستقرار الخادع
​تُظهر الاقتطف او الاقتطاع التحليلي من الافتتاحية ظاهرة تُعرف في الأدبيات السياسية بـ "تخدير القضية عبر بيئة الاغتراب المريح"

​الانفصال عن الميدان: أدى العيش في عواصم ومجتمعات آمنة توفر الخدمات الأساسية والرعاية الصحية والتعليم الممتاز لأبناء النخبة والمسؤولين (سواء من حزب المؤتمر الشعبي العام، أو التجمّع اليمني للإصلاح فرع التنظيم الدولي للاخوان المسلمين في اليمن أو باقي القوى السياسية) إلى نشوء حالة من الانفصام السياسي والنفسي؛ حيث ان غياب الدافع الوجودي للتضحية أو استعجال الحسم.

​تحول الحرب إلى مهنة: تحولت عملية "استعادة الدولة" بالنسبة للعديد من الفاعلين السياسيين والقيادات العسكرية من هدف وطني ذي سقف زمني محدد، إلى "حالة وظيفية استثمارية" تضمن استمرار الرواتب، والإعانات، المرتفعة ارتفاع كبير يصل الى عشرات الاضعاف مما كانت عليه قبل سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء وبقية محافظات ومناطق الشمال وغيرها من والامتيازات المالية المهولة جدا، والتنقل الفندقي ورغادة العيش، والسفريات العلاجية والسياحية والنقاهية والاستجمامبة في أعظم واجمل منتجعات العالم.

​تخفيض الحس الوطني: طبقاً لنظريات العلوم السياسية، فإن تطبع القيادات مع الواقع المريح يتسبب تراكمياً في انخفاض الوعي بالمخاطر القومية، ودفع القيادة للتصالح الضمني مع واقع غير منصف، مما أفقد الجماعة الوطنية القدرة على حشد الجماهير في الداخل.

​2. شبكات المصالح وتوحد الفساد مقابل انقسام الإرادة
​شخّص الطرح والنقد للمشكلة الأساسية بوضوح "إن المشكلة كانت وما زالت في النخبة نفسها لا في الشعب؛ فهي متوحدة في الفساد ومنقسمة على ذاتها فيما يتعلق بالجدية والإرادة".

​الفساد بوصفه ملاذاً تنظيمياً: اتفقت الفصائل الحزبية المختلفة على تقاسم الموارد، الوظائف العامة، والتعيينات الدبلوماسية والعسكرية، ونشأت شبكات مصالح عابرة للأحزاب تعتمد على استمرار الوضع الراهن .
​إهدار
الانتصارات الميدانية: أشار التحليل النقدي فيافتتاحية صحيقة عكاض إلى خيبة الأمل السعودية الناجمة عن عجز النخبة الشرعية عن تثبيت واستثمار الانتصارات العسكرية التي حققها التحالف القومي والقوات الميدانية (كما حدث في الساحل الغربي والجنوب وفي مناطق مختلفة). فقد غابت الرؤية الإدارية والسياسية للحفاظ على المكتسبات، بسبب انشغال القيادات بالمحاصصة والنزاعات البينية.
​3. السيناريو الكارثي: الملاحقات القانونية واستغلال الحوثي لليوم التالي
​تكمن الخطورة الاستراتيجية لسلوك هذه النخبة في افتراضها الخاطئ بأن الأموال والاستثمارات والجنسيات البديلة ستوفر لها الحماية الدائمة.
إن التغيرات الجيوسياسية تحمل سيناريوهات قاسية
​موقع باب المندب والمناورة الحوثية: يمتلك موقع اليمن الاستراتيجي على باب المندب والبحر الأحمر القوة التفاوضية لأي سلطة أمر واقع في صنعاء. وفي حال التوصل إلى تسوية سياسية فرضتها ظروف القوة على الأرض، سيمتلك الحوثيون أوراق ضغط دبلوماسية لاستصدار ملفات ملاحقة عبر "الإنتربول" والاتفاقيات الثنائية لتبادل المطلوبين بتهم الفساد واختلاس المال العام وغسيل الأموال.

​البراغماتية الدولية: التاريخ السياسي يؤكد أن الدول تغلّب مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية على الأفراد. وبالتالي، فإن الدول التي تستضيف هذه القيادات أو استثماراتها لن تتردد في التضحية بها إذا اقتضت التفاهمات الإقليمية ودواعي تأمين الملاحة الدولية ذلك.

​ثانياً: تقاطع موقف "عكاظ" مع رؤية الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي
​إن الرأي الصادر في الصحيفة السعودية يُمثّل نقطة تقارب ملموسة -من حيث التقييم والنتائج- مع الموقف الذي طالما تبنته دولة الإمارات العربية المتحدة والمجلس الانتقالي الجنوبي بشأن منظومة الشرعية التقليدية (بشقيها: حزب الإصلاح فرع التنظيم الدولي للاخوان المسلمين في اليمن والمؤتمر الشعبي العام وغيرهما
):


وتجدر الاشارة الى ان ​تطابق الرؤى والتقاء المصالح: إعادة هيكلة الشرعية اليمنية
​تتضح معالم التحول في المشهد السياسي من خلال تقاطع القراءة السعودية المستحدثة مع الموقف الذي طالما تبنّته دولة الإمارات العربية المتحدة والمجلس الانتقالي الجنوبي؛ حيث يلتقي الطرفان عند إدراك حاسم لمخاطر تآكل الصبر الإقليمي جراء انقطاع القيادات السياسية عن الميدان.
​فمن الجانب السعودي، ينعكس تطور الخطاب في الشعور بالإنهاك الأمني والاقتصادي الناتج عن المماطلة وطول أمد الصراع، والانزعاج من تعطل المصالح الحيوية والمطارات؛ وهو ما ولد مطالبات حازمة بضرورة نقل معركة استعادة الدولة إلى الداخل ورفض إدارة الأزمة عن بُعد.
​وفي المقابل، يتقاطع هذا الطرح مع الرؤية الإماراتية ورؤية المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي ارتكزت منذ وقت مبكر على نقد هيمنة حزب الإصلاح والقيادات الشرعية التقليدية المقيمة في الخارج، والتحذير من تداعيات انفصالها عن الواقع الميداني والفساد الإداري المستشري، مع التشديد على أولوية دعم القوات الفاعلة والحية على الأرض.
​وبصورة إجمالية، يؤدي هذا التقارب في تشخيص مكامن الخلل إلى نقطة التقاء استراتيجية جوهرية تتمثل في ضرورة إعادة هيكلة منظومة الشرعية اليمنية، وتجاوز النموذج القديم لصالح واقع سياسي وميداني أكثر فاعلية وجدية.


1. نقد "هيمنة تيار الإسلام السياسي والشرعية العقيمة"
​طالما اعتبرت أبوظبي والمجلس الانتقالي أن جزءاً كبيراً من إخفاقات المعركة يعود إلى الاعتماد على قيادات حزب التجمّع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) وقيادات المؤتمر الشعبي العام المقيمة في الفنادق، والتي سخرت موارد الشرعية لخوض معارك جانبية وسلطوية بدلاً من تركيز الجهود ضد الحوثيين.
​تقترب رسالة "عكاظ" من هذا التقييم بالإشارة الضمنية إلى أن الاعتماد على هذه المكونات الشكلية بات عبئاً على التحالف، وأن "الشرعية" بعجزها وفشلها أصبحت مساهمة في تمكين الحوثي بدلاً من دحره.

​2. فارق المنطلق والغايات
​غاية المجلس الانتقالي والإمارات: التركيز على ترتيب الأوضاع الميدانية، وتأمين الجنوب، وبناء مؤسسات قادرة على مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة، وإعادة تشكيل خريطة النفوذ بما يعكس الأوزان الفعلية على الأرض.
​غاية المملكة العربية السعودية: الحفاظ على إطار يمني متماسك يضمن الأمن القومي للمملكة ويؤمن حدودها الجنوبية. غير أن التحول الراهن يشير إلى أن الرياض وصلت إلى قناعة بأن النموذج القديم للشرعية المقيمة بالخارج لم يعد صالحاً للحفاظ على هذه المصالح.

​ثالثاً: التوازنات السعودية-الإماراتية ومسار التهدئة في عام 2026م

​وهنا يبرز التساؤل الاكثر ازعاجا للشرعية الفندقية بمدى امكانية تراجع السعودية عن موقفها المتحفظ أو الاستعدائي تجاه الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي برز في بعض محطات عام 2026م ؟ :

​1. قراءة التباينات بوصفها "تنافساً تكتيكياً" لا قطيعة استراتيجية
​إن التباينات التي ظهرت بين الحين والآخر بين الرياض وأبوظبي فيما يتعلق بالملف اليمني أو إدارة الموانئ والسواحل، لم تكن قطيعة أيديولوجية، بل تباين في ترتيب الأولويات وأدوات إدارة الملف.

​عندما تستشعر السعودية حرج موقفها الأمني والاقتصادي (نتيجة استمرار التهديدات الحوثية وتعطل بعض المنافع الاقتصادية والسياسية)، فإن البراغماتية السياسية تحتم عليها مراجعة أدواتها وإعادة التنسيق العميق مع الشريك الإماراتي والقوى الميدانية الفاعلة (وفي مقدمتها القوات الجنوبية والمكونات الوطنية الميدانية).

​2. دواعي التهدئة وإعادة ضبط البوصلة
​الضغط الحوثي المشترك: يمثل استمرار الجماعة الحوثية كتهديد أمني واقتصادي على الملاحة البحرية والأمن الإقليمي خطراً عابراً للحدود يهدد مصالح كل دول الخليج دون استثناء.

تراجع المراهنة السعودية على قيادات الفنادق يدفع الرياض تلقائياً نحو تقاربات أكبر مع القوى الميدانية الحقيقية المسكوت عنها أو المشتبكة ميدانياً، وهو ما يتماشى مع الرؤية الإماراتية القائمة على دعم القوى المؤثرة على الأرض.

​إدارة المخاطر: متوقع أن تشهد الفترة القادمة تراجعاً ملحوظاً في حدة التوتر السعودي الإماراتي، والانتقال إلى صيغة تفاهم جديدة تقوم على تقسيم الأدوار وضبط بوصلة الصراع للضغط على الشرعية للعودة إلى الداخل، أو إعادة هيكلتها جذرياً لتشمل القوى الفعلية الحية والفعلة لمواجهة المخاطر المحدقة

كما ​تؤكد جليا المعطيات التحليلية أن افتتاحية صحيفة "عكاظ" لم تكن مجرد صرخة إعلامية عابرة، بل كانت إعلاناً عن انقضاء مرحلة الاستثمار السعودي الصبور في نخبة سياسية منفصلة عن واقعها. إن الدولة السعودية، الحريصة على مصالحها الوطنية وأمنها القومي واقتصادها الإقليمي، باتت تدرك أن استمرار حالة "اللاسلم واللاحرب" وتغطية الفساد الحكومي لم يعد خياراً مقبولاً.
​إن المرحلة القادمة تقتضي إعادة تشكيل المشهد اليمني وفق قواعد واقعية صارمة: إما عودة حقيقية للقيادات والمسؤولين إلى الداخل للالتحام بالشعب والقيادة من الميدان، وإما إعادة ترتيب الأوراق الخليجية الإقليمية بالتعاون مع الفاعلين الحقيقيين على الأرض لتسوية الملف، وترك النخبة المستفيدة تتواجه مع مصيرها السياسي والقانوني أمام التاريخ والشعب اليمني.


وللحديث بقية


م محمد مساعد النقيب


العاصمة عدن

23 إكتوبر 2026م