ٱراء واتجاهات


الإمارات.. المستقبل الذي يُصاغ قبل أن يأتي

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 08:02 م

الكاتب: سوسن الجزراوي - ارشيف الكاتب





ليست الدول متماثلة في تعاملها مع المستقبل ، فبعضها ينتظر ما تحمله الأيام اولا ومن ثم يواجه نتائجها ، وبعضها يحاول قراءة ما وراء اللحظة الراهنة وما بين السطور ، مستنداً إلى حسابات مدروسة بعيدة المدى ورؤية تتجاوز إغراء المكاسب العاجلة ، إلى ما يمكن أن تصنعه القرارات اليوم في خارطة الغد .
وبين الانتظار والاستعداد تتحدد مساحات واسعة من قدرة الدول على حماية مصالحها ، وتوسيع خياراتها المتاح منها والقابل للتحقيق ، والتأثير في محيطها الإقليمي والدولي ، لتترك بصمة تجعلها في الصفوف الاولى .
وفي منطقة تتشابك فيها الأزمات السياسية مع التحولات الأمنية والاقتصادية ، وتتعرض فيها مشاريع التنمية لاختبارات قاسية نتيجة الحروب والاضطرابات ، يكتسب استشراف المستقبل أهمية تتجاوز كونه أداة للتخطيط بشكله المألوف ، ليصبح جزءاً من إدارة الحاضر نفسه .
من هذا المنطلق ، يمكن قراءة التجربة الإماراتية في ضوء سعيها إلى بناء حضور إقليمي ودولي يستند إلى مسارات متوازية ، تتقدم فيها الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع المصالح الاقتصادية ، والاستعدادات الدفاعية ، ومشروعات التنمية والعمل الإنساني .
وفي العادة ، لا تُقاس الرؤية المستقبلية بمدى طموحها وحده ، وإنما بقدرتها على التحول إلى أهداف قابلة للتنفيذ ، وبرامج متدرجة ، ومؤسسات تتابع النتائج وتعيد تقييم المسارات .
وفي الهيئة والحالة الإماراتية ، تقدم الاستراتيجيات الوطنية والخطط الممتدة لعقود مؤشراً على توجه يرمي إلى ربط الحاضر بأفق زمني أبعد ، بما يتيح التعامل مع التحولات بوصفها تحديات ينبغي الاستعداد لها بشكل متقن ، وفرصاً يمكن توظيفها بشكل امثل .
وتعكس استراتيجية وزارة الخارجية الإماراتية للأعوام 2023–2026 ( بحسب المصادر الرسمية ) ، هذا التوجه ، من خلال التركيز على الدبلوماسية الاستباقية ، ( وهي التي لاتتنظر وقوع الازمات بل تبادر مسبقاً لتوقعها ) ، وتسعى لتعزيز الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف ، ودعم الاستقرار الإقليمي ، وتوسيع الدور الدولي للدولة في مجالات التنمية والحوار والتعاون .
اما فيما يخص هذه التسميات ، فهي تمثل أهدافاً تعكس تصوراً لدور السياسة الخارجية لا يقتصر على إدارة العلاقات القائمة ، بل يشمل العمل على تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للمصالح الوطنية والاستقرار والازدهار .
وفي إقليم تتعدد فيه مراكز النفوذ وتتشابك فيه المصالح ، تصبح الدبلوماسية إحدى الأدوات الأساسية لتقليل المخاطر وتوسيع البدائل ، فالعلاقات الدولية لا تُبنى في لحظات الاتفاق وحدها ، بل تحتاج إلى قنوات تواصل مستمرة ، وشراكات اقتصادية وسياسية ، وقدرة على إبقاء الحوار ممكناً حتى عندما تتباعد المواقف .
كما تتيح شبكة العلاقات التي تسعى الإمارات إلى تطويرها فرصاً للتعاون في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة ، فضلاً عن المشاركة في المبادرات الدولية الرامية إلى معالجة النزاعات وتعزيز الاستقرار ، غير أن فاعلية هذا المسار لا تُقاس بعدد الاتفاقيات أو اللقاءات وحدها ، بل بما ينتجه من مصالح مستدامة ، وقدرة على احتواء الأزمات ، ومساهمة ملموسة في خفض التوترات .
عند هذه اللحظة ، يصبح التخطيط الدبلوماسي طويل الأمد عملية مستمرة لموازنة المصالح ، وفهم التحولات ، وتجنب الارتهان لسيناريو واحد في منطقة تتبدل معادلاتها بسرعة البرق احياناً .
ولا ينفصل استشراف المستقبل عن إدراك طبيعة المخاطر التي قد تواجه الدول ، فالتغيرات في موازين القوى ، واتساع التهديدات العابرة للحدود ، وأمن الممرات البحرية ، والتطور المتسارع في التقنيات العسكرية والسيبرانية ، كلها عوامل تفرض على الدول التفكير في أمنها ضمن أفق يتجاوز الاستجابة المباشرة للأحداث .
في هذا السياق ، يُقرأ المسار الدفاعي الإماراتي بوصفه أحد مكونات حماية المصالح الوطنية ، عبر تطوير القدرات ، وتعزيز الجاهزية ، وبناء الشراكات الأمنية ، ومواكبة التحولات التكنولوجية .
الا ان التخطيط الأمني الفاعل لا يقتصر على امتلاك أدوات القوة ، إذ يرتبط أيضاً بتقدير كلفة التصعيد ، وحماية البنية الاقتصادية ، وصون الاستقرار الداخلي ، وإبقاء الحلول السياسية والدبلوماسية ضمن الخيارات المتاحة .
فالقوة التي تستشرف المستقبل لا تكتفي بالاستعداد للمواجهة حسب ، بل تعمل كذلك على تقليل احتمالاتها ، وتوسيع المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الحلول قبل أن تصبح الأزمات أكثر تعقيداً .
كما ، لا يمكن فصل الحضور الإقليمي عن الأساس الاقتصادي الذي يستند إليه. فالاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا ، وتنويع مصادر الدخل ، وتطوير البنية التحتية ، وتعزيز التجارة ، كلها عناصر تمنح الدول قدرة أكبر على التعامل مع التقلبات الدولية ، وتقلل اعتمادها على مصدر واحد للقوة أو النفوذ .
وتندرج رؤية الإمارات الاقتصادية طويلة الأمد ضمن هذا الاتجاه ، بما تتضمنه من توجه نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية ، وتوسيع الشراكات التجارية والاستثمارية ، والاستفادة من التحولات الرقمية والتكنولوجية ، كما أن استقرار الاقتصادات المحيطة وامتلاكها فرصاً للنمو يمكن أن يفتحا مجالات أوسع للتبادل التجاري والاستثمار ، ويحد من بعض الظروف التي تغذي الهشاشة والاضطراب .
لكن التنمية الإقليمية لا تتحقق بمجرد ضخ واتاحة فرص الاستثمارات ، لكونها تحتاج إلى بيئة مستقرة ، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد ، ومشروعات تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمعات .
وهنا تتضح العلاقة بين التخطيط الاقتصادي والحسابات السياسية والأمنية ، إذ يصعب بناء ازدهار طويل الأمد في بيئة تتكرر فيها الأزمات دون معالجة جذورها .
ويمثل العمل الإنساني مساراً آخر في الحضور الإماراتي ، يمتد من الإغاثة العاجلة إلى دعم التنمية وتحسين الظروف المعيشية ، فمنذ تأسيس الدولة عام 1971 ، تطورت منظومة المساعدات الخارجية الإماراتية عبر مؤسسات وصناديق وهيئات متخصصة ، فيما تأسس مجلس الإمارات الدولي للشؤون الإنسانية والخيرية بمرسوم اتحادي في كانون الثاني / 2024 ، بهدف توحيد جهود المساعدات ضمن إطار استراتيجي أكثر تنسيقاً .
وتبرز أهمية هذا التوجه في منطقة تواجه أزمات نزوح ونقصاً في الخدمات الأساسية وتراجعاً في فرص العمل ، حيث لا تقتصر الحاجة على إيصال الغذاء والدواء ، بل تمتد إلى دعم التعافي وإعادة بناء مقومات الحياة .
إن الجمع بين الدبلوماسية والدفاع والتنمية والعمل الإنساني يكشف عن أوجه متعددة للتخطيط طويل الأمد ، لكنه يضع أمامه أيضاً اختباراً أساسياً غاية في الاهمية : إلى أي مدى تستطيع هذه المسارات أن تتكامل ، وأن تنتج استقراراً قابلاً للاستمرار ، لا مجرد حضور واسع في لحظة سياسية معينة ؟
فاستشراف المستقبل لا يعني القدرة على التنبؤ بكل ما سيحدث بلا شك ، ولا يمنح الدول حصانة من المفاجآت ، لكنه يساعدها على بناء بدائل ، وتحديد الأولويات ، والاستعداد للتحولات قبل أن تفرض إيقاعها .
وفي منطقة تتداخل فيها المصالح مع الأزمات ، تظل قيمة التخطيط مرتبطة بقدرته على تحويل الرؤية إلى نتائج يمكن قياسها واعتمادها ، وعلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي .
وفي المحصلة ، فالمستقبل لا يصاغ بقرار واحد ، ولا تصنعه أداة منفردة ، بل إنه حصيلة خيارات تتراكم ، وشراكات تخضع لاختبارات عديدة ، واستثمارات تحتاج إلى وقت ، وسياسات تتضح قيمتها في نتائجها .
ومن هنا ، فإن الرهان الإماراتي على التخطيط طويل الأمد يُقرأ من خلال ما يسعى إلى بنائه اليوم ، ( وفقاً لقراءات ومصادر وقرارات رسمية معتمدة ) ، فيما يبقى الحكم على أثره مرهوناً بما ستكشفه السنوات المقبلة من قدرة على تحويل الطموحات المعلنة إلى استقرار وتنمية ومكاسب مستدامة .