ٱراء واتجاهات


من "فجر اليمن" الشامل إلى جبهة باب المندب: أسئلة الاستنزاف، وتضحيات الجنوبين وحدهم..

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 02:12 ص

الكاتب: م . محمد مساعد سيف - ارشيف الكاتب






​من "فجر اليمن" الشامل إلى جبهة باب المندب: أسئلة الاستنزاف، وتضحيات الجنوبين وحدهم..





​استهلال :


​تتجاذب المشهدَ اليمني المعقدَ معادلاتٌ عسكرية وسياسية متغيرة، كثيراً ما تتكشف أبعادها الحقيقية عقب إعلان البيانات السياسية الرسمية واستعراض القوة الإعلامي. ومع كل إعلان عن معركة شاملة لحسم الصراع وانهاء الانقلاب واستعادة الدولة، تتجه الأنظار نحو الخريطة الميدانية لمعرفة مدى جدية التحركات ونوايا القوى الفاعلة. غير أن تتبع المسار الميداني لما سُمي بـ "عملية فجر اليمن" يضع المتابع والشارع السياسي أمام تحولات دراماتيكية غير متوقعة، تطرح علامات استفهام جادة حول إدارة الصراع، وطبيعة التحالفات، والغايات الميدانية والسياسية المراد تحقيقها من وراء إشغال طرف عسكري بعينه وتحييد أطراف أخرى.

​أعلن الرئيس العليمي عن عملية "فجر اليمن"، والتي حُددت أهدافها المعلنة في تحرير كافة المناطق اليمنية التي تقع تحت سيطرة مليشيا الحوثي وصولاً إلى العاصمة صنعاء. كما أعلن التعبئة العامة ودعا إلى النفير الشعبي والقبلي في كل المحافظات اليمنية، وبالذات المحافظات التي تتواجد فيها مليشيا الحوثي.
​وتضمنت الخطابات والبيانات السياسية والإعلامية الترويج لما اعتبره العليمي معركة وطنية شاملة تشتعل نيرانها في وقت متزامن على كل جبهات التماس؛ ابتداءً من محافظات صعدة وحجة وصولاً إلى مأرب والجوف والبيضاء وإب وتعز والضالع ولحج وباب المندب، تشارك فيها كافة التشكيلات العسكرية التابعة للشرعية والتحالف ورجال القبائل والمقاومة الوطنية بدعم وإسناد جوي ولوجستي واسع من قبل التحالف.


​والقراءة المتعمقة لهذه البيانات ولحجم القوة العسكرية والمادية والبشرية والإسناد القبلي والشعبي المحتمل، وبالنظر إلى خارطة انتشار هذه القوات في نقاط التماس وفي العمق الجغرافي، كانت توحي أن المعركة سيتم حسمها لصالح الشرعية والتحالف خلال فترة وجيزة.
​لكن ما الذي حصل خلال الأيام التالية التي أعقبت إعلان البدء بهذه العملية العسكرية؟

​لقد انحصرت المواجهة في بعض مديريات محافظة تعز وفي الجنوب الغربي من محافظة لحج.

وفي ميدان المعركة، مُنيت قوات الشرعية بخسائر مادية وبشرية جسيمة، فيما استولى الحوثيون على المزيد من الأرض والعتاد العسكري وقطعوا طرق الإمداد عن مديريات عاصمة محافظة تعز، ولا تزال المواجهات مستمرة بين الكر والفر والتقدم المستمر لمليشيا الحوثي نحو إطباق المزيد من الحصار على مدينة تعز.

​في الجبهة الأخرى، استطاعت القوات المسلحة الجنوبية والمقاومة الشعبية الجنوبية — التي تمثل قوات العمالقة الجنوبية رأس الحربة ومركز الثقل فيها، تساندها التشكيلات العسكرية الجنوبية من ألوية المشاة والصاعقة والدعم والإسناد ودرع الوطن مسنودة بتشكيلات المقاومة الشعبية الجنوبية من مختلف المناطق

— أن تواصل تقدمها وتحرز الانتصارات. وبعد نجاحها في تحرير ما تبقى من السلسلة الجبلية في كهبوب وبعض مناطق الصبيحة، واصلت تقدمها في تحرير بوابة باب المندب وفي مديرية الوازعية بإسناد جوي سعودي.

​إن عملية "فجر اليمن" التي أعلن عنها الرئيس العليمي وروج لها الإعلام الرسمي وشبه الرسمي التابع للشرعية والتحالف تحولت، لأسباب غير معروفة، إلى حرب مفتوحة ومواجهة شرسة ومكلفة بين الحوثيين والقوات المسلحة الجنوبية، وانحصر مسرحها العملياتي بمنطقة باب المندب وكهبوب وذباب والوازعية، فيما استكانت جميع الجبهات في مناطق التماس مع المناطق التي تحت سيطرة الحوثي في محافظات صعدة والجوف وحجة ومأرب والبيضاء وإب والحديدة وجبهات أرياف تعز.

​وفي حضرموت تنتشر أعداد كبيرة من القوات الشمالية، مثل: قوات درع الوطن، وألوية قوات الطوارئ اليمنية، وألوية قوات الواجب، وألوية الجيش الوطني، وقوات حزب الإصلاح، وجميعها مسلحة بأسلحة ثقيلة وحديثة ويبلغ قوامها نحو ستين ألف (60,000) جندي وضابط، مضافاً إليها القوات الشمالية المنتشرة في مأرب والجوف وغيرها، والتي تم تزويدها وتسليحها بأسلحة حديثة ونوعية ومتطورة. هذه القوات لم تشارك في عملية "فجر اليمن" مشاركة فاعلة، بل اقتصر دورها على الحرب عن بُعد بتبادل القذائف المدفعية والطيران المسير في أوقات نادرة ومتفاوتة، دون خوض معارك ومواجهات حقيقية.

​تكتسب معركة تحرير باب المندب أهمية عسكرية واقتصادية وجيوسياسية استثنائية بالنسبة للأمن القومي السعودي وصادراتها النفطية وشريان تموينها عبر مضيق باب المندب الذي يسعى الحوثيون لقطعه، وللأهمية نفسها بالنسبة للأمن الإقليمي والملاحة الدولية في هذا المضيق. ومن المؤسف حقاً أنه على النقيض من هذه الأهمية البالغة لمضيق باب المندب سعودياً وإقليمياً ودولياً، فقد تم وضع ثقل المعركة على كاهل القوات المسلحة الجنوبية والشعب الجنوبي وحده بدعم جوي سعودي.

​حُكم على شعبنا الجنوبي وقواتنا المسلحة أن يدفعا الثمن الباهظ والتكلفة العالية لهذه المعركة، عبر تقديم التضحيات الجسيمة في كل موقع ومربع جغرافي يتم تحريره، وبالمقابل لا يحصل على أي ثمن لجهوده وبطولاته وتضحياته. بل على النقيض من ذلك، يعمد الإعلام والخطاب السياسي والدعائي للتحالف والشرعية إلى سرقة تلك التضحيات والإنجازات المعمدة بالدم ونسبها إلى سلطة تمتهن تجارة الحروب واستثمارها وتستوطن الفنادق الفارهة.
​تلك القيادات العسكرية والسياسية والإعلامية احتكرت موارد تموين المعارك ودعمها العسكري واللوجستي، والتحكم بها كملكية خاصة، وتحويل الجزء الأعظم منها إلى أرصدة بنكية وعقارات ومشاريع تجارية خاصة. ورغم ذلك تجدهم يخوضون معاركهم الحقيقية على القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي من غرف مغلقة تبعد مئات وآلاف الكيلومترات عن مسرح الحرب الحقيقي؛ تجد بشرتهم تلمع بياضاً ووجوههم الملساء لم تمسها حرارة الشمس وغبار المعارك على مدى أكثر من عقد من الزمن، ولم يتورعوا لحظة في اقتناص الفرص للظهور أمام شاشات الإعلام مسبوقة الدفع ببدلاتهم الأنيقة وكروشهم المبعجة وايديهم اليضه ليتحدثوا باسم الوطن والشرفاء في الميدان الذين يقاسون الموت في كل لحظة. يؤلفون دون خجل بطولات وإنجازات من صنع خيالهم، ونادراً ما يظهر بعضهم في الجبهات وان ظهروا تجدهم وهم مسيجون بكتل بشرية من المقاتلين لحمايتهم خلال تلك اللحظات التي يظهرون فيها على وسائل الإعلام!

​إن عملية "فجر اليمن" بشعارها الكبير وأهدافها المعلنة كمعركة وطنية شاملة وكاسحة في كل جبهات التماس، تحولت فجأة وبين ليلة وضحاها إلى معركة في نطاق جغرافي محدود، تختزل حدود المواجهة في جبهة باب المندب بين الحوثيين من جهة والقوات المسلحة الجنوبية ومقاومتها الاصيلة والباسلة من جهة أخرى، مع تحييد كامل للشمال جغرافياً وجيشاً وقوة اجتماعية عن خوض المعركة.
​وهذا التحول غير المتوقع بعيداً عن الأهداف المحددة

والمعلنة يثير الكثير من التساؤلات المشروعة:


1 - ​ما أسباب هذا التحول واختزال المعركة بين الحوثيين والقوات الجنوبية في منطقة باب المندب والساحل الغربي، الذي خسرته قوات الشرعية خلال أقل من أسبوع في هزيمة نكراء أمام مليشيا الحوثي؟

2 - ​ما الذي يدور خلف الكواليس وفي الغرف المظلمة بعيداً عن مسرح المواجهات الميداني؟

3 - ​لماذا تم اختيار القوات المسلحة الجنوبية ومقاومتها الباسلة دون غيرها لتكون وقوداً لهذه الحرب وكبش فداء لها؟

4 - ​ما أثر وتداعيات هذه الحرب وما يترتب عليها من استنزاف متواصل للقوات الجنوبية والطاقات الشبابية التي يتم تحشيدها للزج بها في أتون هذه المعارك؟

5 - ​ما هو الثمن الذي يتحتم على الجنوب أرضاً وشعباً وقضية تقاضيه مقابل هذه التضحيات اليومية الجسيمة؟

6 - ​ما هي التداعيات والنتائج المحتملة والمتوقعة على الجنوب والقضية الجنوبية بعد انتهاء هذه المعركة؟
​إن الشعب الجنوبي يخوض المعركة اليوم تحت راية الدولة الجنوبية التي يقاتل من أجل استعادتها، ويرفع علمها في كل موقع يتم تحريره باستبساله وتضحياته. وإن إقدامه في صنع الانتصارات في كل معركة يخوض غمارها مرده —قبل كل شيء— إلى إيمانه بعدالة قضيته ودفاعاً عن حاضر أبنائه ومستقبل أجياله في الدولة التي ينشد تحريرها واستعادتها.

7 - ​لكن السؤال الأبرز هنا:

هل تؤمن السعودية ودول الإقليم والعالم بالحقوق السياسية والمشروعة لهذا الشعب، وتعترف بالملاحم والانتصارات التي صنعها خلال اثني عشر عاماً في سبيل استعادة هذا الحق السياسي المشروع، وتدعمه في استعادة دولته؟


8 - ​أم أن هناك صفقة واتفاقاً سرياً غير معلن لاستنزاف وإنهاك شعب الجنوب وقواته المسلحة وطاقاته الشابة، كحتمية ضرورية لإعادة السيطرة والاحتلال للجنوب ووئد حلم شعب الجنوب باستعادة دولته التي ناضل وضحى في سبيلها منذ عام 1994م ولا يزال يضحي حتى اليوم؟

​
ختاما:

​إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من خطابات الغرف المغلقة ولا من بيانات الشاشات مسبوقة الدفع، بل ستشكلها الحقائق على الأرض. إن محاولة تحويل بطولات الجنوبيين واستبسالهم الميداني إلى مجرد أوراق ضغط في صفقات سياسية مبهمة، أو استغلال تضحياتهم لحماية مصالح إقليمية ودولية دون الاعتراف بتطلعاتهم المشروعة، هي معادلة غير قابلة للاستمرار. لقد أثبت الميدان أن السلاح الذي يحمل عقيدة الدفاع عن الأرض والهوية لا يمكن استنزافه إلى الأبد، وأن الشعب الذي يقدم خيرة أبنائه في جبهات القتال حريٌّ به أن يحمي مكتسباته السياسية وألا يسمح بمصادرة نصرٍ عُمّد بالدماء والشهداء.




وللحديث بقية


م . محمد بن مساعد النقيب


العاصمة عدن

12 اكتوبر 2026م