ٱراء واتجاهات


كلاسيكيات .. نبلة المفترس

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 - الساعة 04:07 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب






كلاسيكيات .. نبلة المفترس


لم تعد المحطة هناك. تغير الشارع، تبدلت الواجهات، كبرت الأشجار، ومضى العابرون إلى زمن لا يعرفه.
وقف يبحث بين بقايا الأمس عن شيء يدلّه عليه.
الآن يتذكر كل شيء عن ذلك الزمن:
كاد يتهاوى وهو في طريقه إلى موقف الحافلة، في هذا الحي الغربي، حيث لا أحد فيه يتحدث اللغة التي يعشقها.
ربما كان على موعد ليودع زملاء دراسته، أو كان يمضي فقط ليصرف آخر وقت فائض في هذه المدينة.
في ثانية حدث كل شيء.
"نبلة المفترس" انغرست في جسده…
تثاقلت خطاه، وتكاثفت غيمات زرقاء فوق جبينه، كأنها توشك أن تمطر.
مضى لحال سبيله، لكن شيئاً بداخله ظل يكبر مع كل ثانية تنبض في روح الزمن.
عاد في اليوم التالي يبحث عنها،
ثم اليوم الثالث،
والرابع، والعاشر.
لا أحد...
تلك المحطة كما هي، والحافلات تأتي وتمضي، الوجوه تعبر وتتبدد، والمدينة تأوي وتنهض على إيقاع الليل والنهار.
ثم أعادته الرياح إلى بلاده البعيدة…
حمل جمراً في دمه، وبعض الغيمات الزرقاء، وأثراً استقر في موضع لا تصل إليه يد ولا يبرأ منه جسد.
مرت أعوام و مرت عقود...
وذات يوم أعادته الصدف إلى تلك البلاد الغريبة. ذهب مباشرة إلى المكان الذي ظل عالقاً كأهم جغرافيا في ذاكرته.
وبينما كان يلملم أنفاسه الضائعة،
لاحت له.
لم تعد مثلما كانت. خطّ الزمن رحلةً هادئة على ملامحها…
لكن شيئاً ما ظل فيها لم يتبدل؛ تلك النبلة (النظرة) تعيده إلى ذلك اليوم البعيد.
أحس و كأن ألف عام من الفقد قد مر.
قالت:
لماذا عدت، أيها الغريب؟
قال:
عدت لألملم بقايا دمي من هذه الأرض.
صمتت قليلاً، ثم قالت:
بحثت عنك أنا أيضاً، بعدما أدركت أن "النبلة" التي أصابتك ارتدت. عدت إلى قرب المحطة مراراً، لكنني لم أجدك.
ثم أضافت:
تأخرتُ بضعة أيام فقط، فهمت بعدها أنك رحلت.
قال:
تلك البضعة من الأيام أضاعت عمراً كاملاً.


أحمـــــــــــد عبداللاه

(كلاسيكيات تعني خواطر من مفكرات قديمة جداً، كما هي دون مراجعة في الشكل أو اللغة أو المضمون).