ٱراء واتجاهات


الأسلحة الكيميائية في السودان.. جريمة تتجاوز حدود الحرب وتفضح شبكة الداعمين

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 10:01 م

الكاتب: عثمان عبد الرحمن سليمان - ارشيف الكاتب





لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية على السلطة، بل تحولت إلى مشروع تدمير شامل للإنسانه والدولة والمجتمع، وما تكشفه التحقيقات والتقارير الأخيرة بشأن الأسلحة الكيميائية يفتح فصلاً بالغ الخطورة في هذه الحرب. فالتحقيق الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" و ما أوردته من وثائق و صور و تسجيلات و معلومات، يأتي في ظل تراكم شهادات وتقارير حول استخدام مواد كيميائية في مناطق مختلفة من السودان. و في رأيي الشخصي فإن الحديث عن تطوير و تصنيع و تخزين و استخدام هذا النوع من الأسلحة من جانب جيش الحركة الإسلامية بقيادة عبد الفتاح البرهان لا يمكن أن يعامل باعتباره مجرد سجال سياسي بين أطراف الحرب؛ لأن القضية، إذا ثبتت تفاصيلها عبر تحقيق دولي مستقل، تعني أن السودان دخل مرحلة جديدة يصبح فيها المدنيون في مواجهة أسلحة محظورة دولياً، و الأخطر من ذلك أن استمرار الصمت والتردد قد يمنح القائمين على هذه البرامج فرصة لإخفاء الأدلة وإعادة تنظيم قدراتهم، تماماً كما حدث في ملفات عديدة من الانتهاكات التي ظلت لسنوات حبيسة التقارير والبيانات بينما استمر الضحايا في دفع الثمن.

لكن السؤال الذي ينبغي ألا نتجاهله هو هل يمكن أن ينشأ مثل هذا المسار العسكري بمعزل عن شبكة الدعم الخارجي التي تغذي الحرب في السودان؟ إن إيران تبرز هنا باعتبارها أحد الأطراف الإقليمية التي ارتبط اسمها خلال الحرب بدعم الجيش السوداني و تزويده بطائرات مسيرة و قدرات عسكرية متطورة، وفق تقارير وتحقيقات دولية متعددة. و من غير المنطقي أيضاً تجاهل البيئة الإقليمية التي سمحت لجيش الحركة الإسلامية بإعادة بناء قدراته العسكرية والحصول على وسائل قتالية متقدمة بينما كانت الحرب تزداد ضراوة ضد المدنيين. إن القضية لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بشبكة من المصالح والدعم والتمويل والتكنولوجيا التي تجعل استمرار الحرب ممكناً. ولهذا فإن أي تحقيق جاد في ملف الأسلحة الكيميائية يجب ألا يقتصر على من ضغط الزناد، وإنما ينبغي أن يبحث أيضاً في مصادر المواد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والجهات التي قدمت المساعدة أو وفرت الغطاء أو سهّلت الوصول إلى هذه القدرات، أياً كانت الدولة أو الجهة التي تقف خلفها.

لقد آن الأوان لأن يتوقف المجتمع الدولي عن التعامل مع السودان باعتباره أزمة إنسانية أخرى يمكن إدارتها بالبيانات والمساعدات الطارئة. نحن أمام حرب أنتجت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية، وأمام مؤشرات على استخدام أسلحة محرمة دولياً، وأمام تدخلات إقليمية ودولية جعلت إطالة أمد الحرب أكثر سهولة. ولذلك فإن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية مطالبة بالانتقال من التعبير عن القلق إلى التحقيق والمحاسبة. كما أن مسؤولية وقف الحرب لا تقع على السودانيين وحدهم؛ فالدول التي تمد الأطراف بالسلاح والمال والتكنولوجيا مطالبة بوقف هذا التدفق، والدول التي تملك معلومات عن برامج الأسلحة المحظورة مطالبة بكشفها، والمؤسسات الدولية مطالبة بحماية الشهود والضحايا وحفظ الأدلة قبل أن تضيع. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح الأسلحة الكيميائية مجرد عنوان جديد في دورة الأخبار، ثم يُطوى الملف كما طُويت ملفات أخرى. فالعدالة المؤجلة في مثل هذه الجرائم ليست عدالة، والصمت أمام جريمة محتملة بهذا الحجم لا يمكن أن يكون موقفاً محايداً.

و يمكن القول بوضوح إن السودان لا يستطيع بناء مستقبله على الإفلات من العقاب أو على شرعنة عسكرة الدولة وتحويل مؤسساتها إلى أدوات في صراع الحركة الإسلامية على السلطة. نحن نريد سوداناً لا تُحكم فيه البلاد بالبندقية، ولا تُحسم فيه الخلافات السياسية بالقصف أو التجويع أو النزوح أو الأسلحة المحرمة. وإذا كانت هناك أدلة على برنامج كيميائي أو على استخدام مواد كيميائية في الحرب، فإن المطلوب ليس بيانات سياسية مضادة، وإنما تحقيق دولي مستقل يصل إلى الحقيقة كاملة ويحدد المسؤوليات داخل السودان وخارجه. كما يجب النظر بجدية إلى الدور الذي لعبته القوى الإقليمية، ومن بينها إيران، في توفير القدرات العسكرية التي ساعدت على استمرار الحرب، مع إخضاع كل الادعاءات المتعلقة بأي دعم لبرامج أسلحة محظورة للتحقيق الفني والقانوني. إن دماء السودانيين ليست هامشاً في صراع القوى الدولية، ولا ينبغي أن تكون الخرطوم ودارفور وكردفان والنيل الأزرق ساحات لتجارب السلاح والنفوذ. لقد حان الوقت لوقف الحرب، ووقف تدفق السلاح، وكشف شبكات الدعم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإطلاق مسار سياسي يؤسس لسودان جديد تكون فيه حياة الإنسان وكرامته فوق مصالح الجنرالات والداعمين الإقليميين والدوليين.