ٱراء واتجاهات


الوعد القديم.. الوهم الجديد

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 04:05 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب



كان هناك حديث عن خريطة طريق للسلام في اليمن، تقوم على تفاهمات سعودية حوثية بوساطة عُمانية وإشراف أممي. وربما كان لهذه الخريطة أن تمضي إلى نهاياتها، لولا أن الشرق الأوسط نفسه تغير، بدءاً من شرارة غزة، وصولاً إلى الحرب الأميركية على إيران وما أعقبها من اتساع دوائر المواجهة، ثم عودة التوتر العسكري بين "الشرعية" وانصار الله، ودخول البحر الأحمر مجدداً في قلب الصراع الإقليمي.

وهكذا، لم تعد خريطة الطريق اليمنية منفصلة عن خريطة الحريق في المنطقة.

اليوم تجري على الأرض مناوشات توحي بأن احتمالات توسيع المواجهة قائمة، لكن حدودها ستظل مرتبطة إلى حد كبير بالترمومتر الإقليمي. فهناك من يعتقد أن الولايات المتحدة قد تدخل شوطاً آخر من حربها مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، بما قد يؤسس لواقع جديد.

لكن السؤال الأهم في اليمن هو، إلى أي مدى يمكن أن تذهب المواجهة مع أنصار الله؟

هل الجميع أمام مشروع عسكري يستهدف الحسم واستعادة صنعاء، بما يعيد إنتاج ذلك الوعد القديم الذي تكرر حتى تحول، مع مرور السنوات، إلى ما يشبه الوهم الكبير؟ أم أن ما يجري أكثر واقعية وأقل طموحاً، أي محاولة لإعادة ضبط موازين القوة، وتقليص التفوق الذي راكمه الحوثيون خلال سنوات التهدئة، وفرض شروط جديدة على الأرض.

هناك توهّم سياسي جديد يقوم على افتراض أن ما جرى في الإقليم يمكن أن يتكرر وفق منطق الدومينو ذاته. فحرب غزة أضعفت حزب الله وأطاحت بالجزء الأهم والفاعل من قياداته، ثم ساهم اختلال ميزان القوة الإقليمي في انكشاف نظام الأسد وانهياره. ومن هنا تنشأ فرضية تقول إن الحلقة الجديدة التي بدأت بالحرب على إيران قد تقود بدورها إلى إضعاف النظام الإيراني، ثم يمتد أثر ذلك تدريجياً إلى أنصار الله، فتتهاوى حلقات المحور الواحدة بعد الأخرى على مرحلتين متتاليتين.

قد يبدو هذا التصور ممكنا في الخيال السياسي للوهلة الأولى، لكنه يستند إلى قراءة شديدة التبسيط لمنطقة لا تتحرك وفق معادلات رياضية مستقيمة. فالتداعيات الإقليمية لا تسير دائماً من السبب إلى النتيجة بالطريقة نفسها، ولا تنتج كل حرب النهايات التي يتوقعها البعض. قد تضعف إيران بالفعل، لكن من الممكن أيضاً أن تصمد، أو أن تخرج من المواجهة أكثر قدرة على المناورة، وهذه فرضية لا يجوز إسقاطها من الحساب.

عندها ستنعكس النتيجة مباشرة على اليمن. فإذا خرجت طهران من المواجهة وقد حافظت على تماسكها أو حسنت موقعها التفاوضي، فقد تصبح شروط أنصار الله أكثر قسوة، وقد تجد السعودية نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة، وربما أمام تنازلات تمس قضايا دُفعت مقابلها أثمان كبيرة خلال سنوات الحرب. وحينها لن نكون أمام العودة إلى خريطة الطريق القديمة، بل أمام خريطة تغيرت معالمها وشروطها وموازينها.

الدرس الأكثر قسوة في المشهد اليمني، أنه مثلما يتحرك أنصار الله ضمن شبكة نفوذ إيرانية واضحة، فإن "الشرعية" بدورها لا تتحرك خارج المنطق السعودي وحساباته. لانها لم تتحرك الا بعد ان تعرضت المملكة لحصار بحري. كلا الطرفين يتحدث بلغة القرار الوطني، لكنهما يعملان بدرجات مختلفة، داخل شبكة مصالح إقليمية أكبر منهما.
وهنا تتضح مفارقة الأدواتية ذاتها بين أنصار الله والشرعية، فالنتيجة في النهاية لا تصنعها خطابات "الوكلاء" وإنما موازين الصراع بين "الأصلاء"، فهي التي تحدد أي الوكلاء يفرض شروطه، وأيهم تُفرض عليه الشروط.

أحمـــــــــــد عبداللاه