الجمعة-21 أغسطس - 08:51 م-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 09:03 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب




اتفاقية مكة للدفاع المشترك هندسة سعودية بلا شك، لكن أهمية أي تحالف دفاعي لا تقاس بمن بادر إلى تأسيسه، وإنما بطبيعة الالتزامات التي يقبل بها أعضاؤه، وبقدرته على الاستمرار عندما تتباين مصالحهم وأولوياتهم.

السعودية وتركيا وباكستان ليست دولاً متشابهة في مصادر التهديد أو في حساباتها الاستراتيجية. تركيا عضو في حلف الناتو منذ عقود، وتمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية فيه من حيث عدد الأفراد، ولديها تجربة طويلة في العمل ضمن تحالف عسكري مؤسسي. وباكستان قوة نووية، ترتبط حساباتها الأمنية بصورة أساسية بالهند، ولديها في الوقت نفسه مصالح وعلاقات إقليمية خاصة. أما السعودية، فتتركز أولوياتها الأمنية بصورة أكبر في الخليج والبحر الأحمر ومحيطها الإقليمي المباشر.

هذا الاختلاف لا يمنع قيام تحالف دفاعي، لكنه يجعل تعريف الالتزام المشترك أكثر أهمية من إعلان التحالف نفسه. فالتجارب الدولية تشير إلى أن التحالفات تصبح أكثر قدرة على الاستمرار عندما تكون قواعد اتخاذ القرار، وحدود الالتزام، وتقاسم الأعباء، وآليات التشاور واضحة بين أعضائها.

وهنا يظهر أحد التحديات الأساسية أمام الاتفاق الجديد. فكلما اتجه نحو المأسسة، أصبح أقل ارتباطاً بإرادة الدولة التي بادرت إليه، وأكثر خضوعاً للتفاوض بين مصالح أعضائه. وهذه نتيجة طبيعية، لأن الدول القوية لا تدخل التحالفات باعتبارها مجرد إضافة عسكرية، وإنما تدخل ومعها مصالحها وحساباتها وتصورها لطبيعة المخاطر وحدود الالتزام.

وتجربة تحالف دعم الشرعية في اليمن، مع اختلاف الظروف والأهداف، تقدم مثالاً مهماً على هذه المسألة. فقد بدأ التحالف بتوافق واسع حول هدف محدد، ثم كشفت السنوات اللاحقة أن شروط استمراره لم تعد هي ذاتها التي قامت عليها لحظة تأسيسه. فالخطر المشترك قد يجمع الدول في لحظة معينة، لكنه لا يلغي اختلاف مصالحها وأولوياتها على المدى الطويل.

ويبقى جوهر المسألة في حدود الردع المشترك نفسه، فما الذي يستدعي قرار التحرك العسكري؟ وما طبيعة المساهمة التي تلتزم بها كل دولة؟ وهل يعني الدفاع المشترك التدخل العسكري المباشر، أم يمكن أن يقتصر على الدعم الاستخباراتي واللوجستي والدفاع الجوي والسيبراني، وغيرها من أشكال المساندة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر وضوحاً عند اختبار الاتفاق أمام سيناريوهات مختلفة. فإذا تعرضت باكستان لمواجهة عسكرية واسعة مع الهند، فما حدود التزام السعودية وتركيا؟ وإذا تعرضت السعودية لهجوم من إيران، فما طبيعة التزام تركيا وباكستان، في ظل مصالحهما وعلاقاتهما الخاصة مع طهران؟

المسألة هنا ليست توقع حدوث هذه السيناريوهات، وإنما اختبار معنى عبارة "الدفاع المشترك". فالدول الثلاث لا تواجه الخصوم أنفسهم، ولا تنظر بالضرورة إلى مصادر التهديد بالطريقة نفسها.

ويضاف إلى ذلك سؤال تعريف "الاعتداء". فالحروب الحديثة لم تعد مقتصرة على الاجتياح العسكري المباشر. هناك الصواريخ والمسيّرات، والهجمات على السفن والمنشآت الحيوية، والعمليات السيبرانية. ولذلك يصبح مهماً معرفة من يحدد أن اعتداءً يستوجب تفعيل الاتفاق قد وقع، وما إذا كان ذلك يؤدي إلى استجابة مشتركة محددة، أم يترك لكل دولة حرية تحديد مستوى مشاركتها.

أما غياب مصر حتى الآن، رغم مشاركتها سابقاً في إطار التشاور مع السعودية وتركيا وباكستان، فيستحق المتابعة، لكن يصعب بناء استنتاج قاطع عليه قبل معرفة التفاصيل الرسمية للمفاوضات وشروط العضوية. وإذا كانت المسائل العالقة بالفعل ذات طبيعة فنية، كما ورد في تصريحات تركية، فإن معرفة مضمون هذه المسائل ستكون مهمة لفهم ما إذا كان الخلاف متعلقاً بآليات الاتفاق أم بحجم الالتزامات الدفاعية.

في النهاية، القوة الحقيقية لهذا التحالف الدفاعي لا تكمن في جمع القدرات العسكرية لأعضائه على الورق، بل في الإجابة عن سؤال أصعب، ماذا يحدث عندما يتعرض أحد الأعضاء لخطر لا يراه العضوان الآخران بالدرجة نفسها؟
أحمـــــــــــدع