الخميس-23 أبريل - 01:12 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


عندما ينقلب السحر على الساحر .. السعودية والإنتقالي أنموذجاً

الأربعاء - 22 أبريل 2026 - الساعة 09:49 م

الكاتب: عبدالسلام السييلي - ارشيف الكاتب




منذ تأسيس المجلس الإنتقالي الجنوبي في الرابع من مايو 2017م، عملت السعودية بكل الوسائل على محاولة إضعاف المجلس، سياسيًا وعسكريًا، عبر الضغط المباشر، وتقليص الدعم، وتشجيع وتقوية كل أعدائه، وصولًا إلى دعم كيانات يصنفها العالم بأنها جماعات "غير مرغوب فيها"، ارتبط نشاطها بصناعة الإرهاب وقطع الطرقات وتصفية القيادات وكل من ينتمي للقوات المسلحة الجنوبية. غير أن التطورات على الأرض كشفت مفارقة واضحة، تمثلت في اختفاء تلك الظواهر بشكل مفاجئ، من اختفاء العناصر الإرهابية في وادي "عومران" إلى توقف التقطعات والسماح بوصول قواطر المشتقات النفطية من حضرموت إلى عدن دون عوائق، وذلك بالتزامن مع إعلان حل المجلس بضغوط سعودية.

اعتمدت السعودية على حرب خدماتية وضغوط مركبة بهدف كسر إرادة المجلس الإنتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، مع رهان أساسي على إفقاده حاضنته الشعبية عبر إدخال الشعب الجنوبي في حالة من اليأس وفقدان الثقة بقيادته. ورغم أن هذه السياسات حققت جزئيًا حالة من السخط الشعبي، نتيجة تدهور الخدمات، إلا أنها لم تنجح في تحقيق هدفها النهائي.

التحول الأبرز جاء مع استدراج المجلس الإنتقالي لتحرير حضرموت والمهرة، وهي خطوة تُعد من وجهة النظر الجنوبية قرارًا صحيحًا باعتبارها أرضًا جنوبية لا يمكن أن تكون وطنًا بديلًا "للإخوان". وخلال شهر من انتشار القوات المسلحة الجنوبية، تم كشف شبكات نهب الثروات وتهريب النفط، ووجود مصافي غير شرعية وخطوط أنابيب تمتد إلى المملكة، ما أدى إلى سيطرة القوات الجنوبية على كامل التراب الجنوبي.

هذا الواقع أثار حفيظة السعودية التي رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا لمصالحها، خصوصًا ما يتعلق بحلم إيجاد منفذ للنفط إلى بحر العرب بعيدًا عن مضيق هرمز. فجاء الرد عبر تصعيد عسكري عنيف، باستخدام طائرات F16 والأباتشي وصواريخ الكورنيت، ما أسفر عن استشهاد ما يقارب 500 من أبطال القوات المسلحة الجنوبية وجرح وفقدان أضعافهم. هذا التصعيد لم يكن مجرد رد فعل، بل جاء نتيجة رفض المجلس الانخراط في خارطة الطريق العمانية ومنح جماعة الحوثي 80٪ من عائدات النفط الجنوبي.

تبع ذلك إخراج القوات المسلحة الجنوبية واستبدالها بقوات تتبع حزب الإخوان المسلمين وقوى الاحتلال اليمني، في خطوة تعكس إعادة إنتاج قوى احتلال الجنوب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم فرض إخراج المعسكرات من عدن تحت تهديد القصف، والتضييق على المؤسسات الإعلامية، وصولًا إلى إعلان حل المجلس الإنتقالي عبر ما وصف بمسرحية هزلية ضعيفة الإخراج تفتقر لأي أساس قانوني.

كما أعادت السعودية إحياء مكونات جنوبية، رغم أن أغلبها وقع وثيقة الميثاق الوطني الجنوبي وانضم سابقًا تحت مظلة المجلس الإنتقالي، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم توجهاتها.

لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا. فكل ما قامت به السعودية منذ يناير 2026 وحتى اليوم رسّخ قناعات لدى أبناء الجنوب، بمن فيهم المعارضون السابقون، بأن المجلس الإنتقالي والرئيس عيدروس الزُبيدي يمثلان المشروع الحقيقي لاستعادة دولة الجنوب. وبدلًا من إضعافه، تضاعفت شعبيته بشكل غير مسبوق.

إن سياسات الترغيب والترهيب، من "البناكس" إلى المطاردات والزج في السجون، لم تحقق أهدافها، بل أدت إلى نتيجة معاكسة، حيث تعززت مكانة المجلس الإنتقالي في الوعي الشعبي.

وبذلك، تتجسد الصورة بوضوح: كل ما فُرض لإضعاف المجلس الإنتقالي انقلب إلى عناصر قوة، وكل ما استُخدم لتفكيكه أسهم في تماسكه، في مشهد يعكس حقيقة واحدة — عندما ينقلب السحر على الساحر.