ٱراء واتجاهات


ضفّة فلسطين… وضفاف العرب

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 08:48 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب








حين يقرّ "الكابينيت الصهيوني" توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وينقل صلاحيات ترخيص البناء من أي إطار فلسطيني إلى سلطة الاحتلال المباشرة، ويمنح البؤر الاستيطانية صفة "سلطات محلية مستقلة"، فهو لا يناور ولا يختبر ردود الفعل.
إنه ينجز الضم فعلياً، ثم يترك للعالم مهمة التعايش مع الأمر الواقع.
هذه القرارات لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً إدارياً عابراً، ولا كتفصيل تقني قابل للنقاش، بل باعتبارها إعلاناً صريحاً عن إقفال مرحلة "إدارة الصراع"، وافتتاح زمن الحسم الأحادي. فالضم لم يعد محتاجاً إلى بيان رسمي أو غطاء غربي معلن؛ يكفيه أن يتجسّد في منظومة قانونية داخلية وفق معايير دولة الاحتلال، وأن يُترجم إلى خرائط تنظيمية ووقائع سكنية واقتصادية محروسة بالقوة، تُبنى بالتدرّج حتى تغدو حقيقة قائمة بذاتها، عصيّة على التراجع.
عند هذه النقطة، لا يبدأ الفعل العربي، بل يبدأ الجدل. تمتلئ استوديوهات الإعلام بالنقاشات، يتضخم الكلام حتى يُنهك الفضاء، ثم تُعاد صياغة الحدث وفق «العرف الاستراتيجي العربي» بأنه "عقبة في طريق السلام". هكذا، وبخفة لافتة. ومن لديه شك عليه الانتظار.

هنا يبدو العالم العربي كمن يحصي خسائره المتراكمة بلا قدرة على تحويلها إلى مراجعة أو موقف، واقفاً خارج الزمن الفلسطيني؛ زمن لا ينتظر، ولا يمنح المترددين فرصة إضافية للحاق به.

الدول العربية تتنافس فيما بينها ليس على استعادة الحق، وإنما على توسيع النفوذ داخل دول عربية مأزومة، تستثمر في هشاشتها، وتحوّل أزماتها إلى ساحات صراع بالوكالة. إعلامٌ يُفترض به أن يكون ضميراً، صار أداة تسميم يومي، يفتّت الوعي العربي، ويستبدل القضايا الكبرى بمعارك داخلية.

ثم تأتي دول عربية تتاجر بفلسطين، في سوق المزايدات ضد دول عربية أخرى… بينما العالم يدرك أن العرب لا يملكون أكثر من خطاب فقير الأثر، لا يغيّر ميزان قوة، ولا يوقف جرافة صهيونية، ولا يردع مستوطناً. وكأن فلسطين لم تعد قضية تحرر، بل رمزاً يُستهلك، وعملةً تُتداول في بورصة الصراعات البينية.
الحقيقة القاسية، التي يتهرّب كثيرون من مواجهتها، أن العرب، كبارهم وصغارهم، عاجزون عن الفعل. لا بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب غياب الإرادة الجامعة، وتفكك الرؤية، وانهيار المعنى المشترك. وقد تجلّى هذا العجز بأبشع صوره خلال الحرب الوحشية والإبادة الجماعية في غزة: دم يُسفك، وخطب تتنافس، وأفعال غائبة، كأن المأساة حدث إعلامي عابر وليست اختباراً أخلاقياً فاصلاً.
حتى المجال الإسلامي الأوسع، من شرق آسيا إلى "استانات" ما وراء النهر إلى الأناضول والمشرق العربي والأفريقي، بدا متفرقاً، كلٌّ في جزيرته، بلا وزنٍ فعلي، ولا قدرة على التأثير، وكأن الكثرة العددية تحوّلت إلى ضجيج بلا اتجاه.
في هذا السياق، يصبح مشروع ضم الضفة الغربية ليس فقط نتيجة قوة الاحتلال، بل ثمرة فراغ عربي. فالاحتلال لا يتمدّد بالدبابة وحدها، بل بغياب الرد، و بانزياح القضية من موقع البوصلة الجامعة إلى خانة الملف المؤجّل. هكذا يقف الفلسطيني بين استعمار دموي، وعمقٍ عربي لا يملك سوى لغة مرتبكة.
ويقف التاريخ شاهداً على مفارقة موجعة:
أن من يضمّ الأرض يفعل ذلك بثقة كاملة، ومن يُفترض به أن يحميها، يختلف على صيغة بيان، أو نبرة خطاب، أو صورة تذكارية. كأن العرب، بين ضفاف غرب المتوسط وشرق الخليج، أسرى الانقسام، لم يعودوا فاعلين في الحدث، ولا حتى ظاهرة صوتية كما ينبغي للصوت أن يكون.


احمد عبد اللاه