ٱراء واتجاهات


حدود الدور السعودي… والكلفة الجنوبية

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 08:43 ص

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب








حدود الدور السعودي… والكلفة الجنوبية


ينتهي الدور التركي في سوريا عند حدود التدخل الإسرائيلي، وينتهي الدور الإيراني في العراق عند حدود التدخل الأمريكي، بينما في اليمن يتوقف الدور السعودي تماماً عند حدود أنصار الله؛ وهي قوة محلية جاءت “عاصفة الحزم” لإلغاء سيطرتها على السلطة.

ومع فشل العاصفة في تحقيق هدفها المعلن، تحوّل منطق الصراع من الإلغاء إلى الاعتراف. فأنصار الله، الذين جرى تصويرهم كخطرٍ وجودي، صاروا، كما صرّح مسؤولون سعوديون في مرحلة لاحقة، “يمنيين عروبيين” يمكن التفاهم معهم.

هذا التحول لم يكن تعبيراً عن مراجعة أخلاقية، بل نتيجة حسابٍ بارد وبسيط: عندما ترتفع كلفة الحرب، تصبح الصفقة خياراً أقل خسارة، حتى أن الحليف قد يتحول إلى عبء داخل المعادلة الجديدة.

بهذا المعنى، سقطت سردية الحرب من داخلها، وانزاح الغطاء الذي استُخدم لتبريرها. فإذا كان الخصم نِدّاً قوياً وقابلاً للتسوية، لم يتبقَّ أمام المملكة سوى إدارة الزمن، لا إدارة المعركة.

في هذا السياق، أُعيد تعريف مفهوم “الأمن القومي السعودي”. فلم يعد محصوراً في حماية الحدود من "التمدد الإيراني-الفارسي" كما أسموه، بل تحوّل إلى محاولة التحكم بالمجال“المفيد”. ووفق هذا المنطق، تُعاد قراءة أي تمدد للحليف الجنوبي كخطرٍ متى خرج عن الإطار المرسوم له، وقد تُلصق به تهم ثقيلة لتسويغ العمليات العسكرية وإقناع الإقليم والداخل بمبرراتها.

من هنا ترسّخ لدى الجنوبيين شعور بأن تضحياتهم لم تُوضَع في سياقها السياسي، ولا حتى بوصفهم شركاء، بل جرى التعامل معهم كأداة مؤقتة داخل مشروع إقليمي أوسع؛ مشروع تتبدل أولوياته وتتراجع يقيناته، دون أن يترجم تلك التضحيات إلى اعتراف عملي بتطلعات الجنوب. أي إن الهدف والمعنى جرى نزعهما عن التضحية نفسها، وهي كلفة ضخمة لا يستطيع الجنوبيون تحمّلها.

اليوم، تدير المملكة المشهد الجنوبي بوصفها اللاعب الأوحد، عبر أدوات “الشرعية” وإعادة تفعيل دور تنظيم الإخوان، وهو ما يعكس تحوّلاً في تحالفاتها الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تعمل على تهدئة الأوضاع “إلى حين”. وهذا الـ“إلى حين” لا يشير إلى زمن محدد، بقدر ما يعبّر عن إبقاء الجميع في حالة انتظار لتسوية تُدار على مراحل، أو لمتغيرات إقليمية لم تتبلور بعد.

وإذا مضت المملكة في تسوية وفق المعادلة الراهنة، فإن اليمن لا يعود بالطبع الى ما قبل الحرب، بل سيظل يعيش ما بعدها بكلفة مضاعفة: ذاكرة مثقلة بالدم وبالعنف والدمار، وواقع سياسي مأزوم بصراعات مفتوحة دون أفق واضح. في هذا السياق، ستسجل العاصفة تاريخياً بوصفهاً فشلاً مكلفاً لا حملة إنقاذ. أمّا تعليق الرهان على متغيرات إقليمية، فإنه مقامرة على الغيب؛ فالزمن في السياسة ليس دائماً حليفاً يُؤتمن.

أما الجنوب، في هذا السياق، فإنه ليس مجرّد ساحة تُدار من خلال أدواة، بل ذاكرة حيّة للدم وللثمن المدفوع، وواقع عصي على الترويض وسؤال مفتوح عن جدوى الشراكات ومصائرها. وأي تسوية لا تعترف بهذه الذاكرة، وبالواقع ولا تُعيد المعنى للتضحية، لن تنتج استقراراً، بل تُراكِم أسباب الانفجار المؤجل.

ولهذا فإن حدود الدور السعودي لا تُرسم فقط عند قوة خصومه شمالاً، بل عند تحديات النفوذ في الجنوب، إذا لم يتحول إلى أفق سياسي يلبي تطلعات الناس. فالتاريخ يحاسب على النتائج؛ ولا يتوقف طويلاً عند من ربح الوقت، بل عند من خسر المعنى، خسائر مزدوجة لا يصلحها الزمن.
أحمد عبد اللاه