ٱراء واتجاهات


بالحدود: اليمن في لحظة القرار الخليجي

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 04:44 ص

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب







إما شراكة سيادية أو خطر لا يعترف بالحدود: اليمن في لحظة القرار الخليجي

بقلم/وضاح علي علوان

لم يعد اليمن شأنًا محليًا يمكن عزله عن محيطه، ولا أزمة جوار عابرة يمكن إدارتها بسياسات مؤقتة. ما يجري في اليمن اليوم يمثل تحولًا جيواستراتيجيًا عميقًا ستكون له انعكاساته المباشرة على الخليج، إما عبر شراكة واعية ومسؤولة، أو عبر فوضى زاحفة لا يمكن احتواؤها لاحقًا.
إن الاستمرار في التعامل مع اليمن كدولة على الهامش لم يعد خيارًا واقعيًا. الجغرافيا لا تعترف بالحياد، والفراغ السيادي لا يبقى بلا فاعلين، وأي كيان ينهار على حدود الخليج سيتحول تلقائيًا إلى تهديد أمني واستراتيجي مباشر، مهما طال زمن التأجيل.
من يقرأ الخريطة بعيون الأمن لا بعناوين السياسة، يدرك أن اليمن ليس خارج المنظومة الخليجية، بل هو بوابتها الجنوبية وعمقها الاستراتيجي الأوسع. موقعه الجغرافي يضعه في قلب معادلات أمن الممرات البحرية الدولية وأمن الطاقة، ويجعله خط تماس مفتوحًا مع صراعات إقليمية لا يمكن احتواؤها بالمسكنات السياسية.
التعامل مع يمن منهار، بسلطة ضعيفة، واقتصاد متفكك، ومؤسسات غير فعالة، وساحة مفتوحة للتدخلات، يعني عمليًا ترك خاصرة رخوة دائمة في الجسد الخليجي. هذه الخاصرة لن تبقى ساكنة، بل ستنتج اضطرابات متراكمة تتجاوز قدرة الاحتواء التقليدي.
مجلس التعاون الخليجي لم يكن يومًا مجرد تكتل اقتصادي، بل نشأ كإطار أمني وسياسي لحماية دوله من الارتدادات الإقليمية. وفي هذه اللحظة التاريخية، يصبح تجاهل اليمن وهو ينهار على حدود هذا المجلس ثغرة استراتيجية في فلسفة الأمن الخليجي نفسها، لا مجرد خلل في السياسة الخارجية.
إن إقامة شراكة استراتيجية مع اليمن ضمن إطار خليجي موسع، أو دمجه تدريجيًا ضمن منظومة الأمن والسيادة المشتركة، لا يعني تحميل الخليج عبئًا إضافيًا، بل يمثل استثمارًا وقائيًا في الأمن الجماعي. بناء دولة داخل منظومة مستقرة أقل كلفة بكثير من تركها تنهار ثم محاولة احتواء نتائج انهيارها بعد فوات الأوان.
الخطر الذي يتشكل في اليمن لم يعد افتراضيًا أو مؤجلًا. التفكك الاجتماعي يتسارع، والاقتصاد ينهار، وتعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة يتعمق، والفراغ السيادي يفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية متضاربة المصالح. ترك هذا الواقع خارج أي إطار خليجي منظم لن يؤدي إلا إلى تراكم الخطر بصمت، حتى يصل إلى نقطة الانفجار.
المطلوب اليوم ليس وصاية، ولا إدارة عن بُعد، ولا حلولًا أمنية مؤقتة، بل نقلة حقيقية في التفكير السياسي الخليجي. المطلوب النظر إلى اليمن باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة الخليجية المشتركة، لا ملفًا مؤجلًا على طاولة الأزمات أو ساحة اختبار للسياسات قصيرة المدى.
هذا المسار يعني الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الشراكة، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح مسارات التنمية والعمل، وربط الاستقرار بالأفق الاقتصادي والاجتماعي، لا بالقوة وحدها. فالدولة التي تُبنى بالشراكة أقل عرضة للانهيار من دولة تُترك للفوضى ثم يُراد إنقاذها بالقوة.
والمقصود هنا ليس مصادرة السيادة اليمنية ولا استبدالها بوصاية إقليمية، بل إنقاذ فكرة الدولة نفسها عبر شراكة خليجية واعية، تحفظ لليمن وحدته ومؤسساته، وتحمي للخليج أمنه الاستراتيجي من التهديدات الزاحفة. فالدول لا تفقد سيادتها بالشراكات الذكية، بل تفقدها حين تُترك وحيدة في لحظة الانهيار.
التاريخ لا يسأل الدول إن كانت قادرة، بل يسألها إن كانت واعية في اللحظة الحرجة. واليمن اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الخليج على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، لا رد الفعل المؤقت.
فإما أن يُنظر إلى اليمن اليوم كعمق سيادي خليجي وشريك في الأمن والاستقرار، أو سيُفرض غدًا كخطر مكلف، بلا خيارات، وبلا وقت للمناورة. اليمن ليس عبئًا على الخليج، بل إن تركه خارج المعادلة هو العبء الحقيقي.