ٱراء واتجاهات


إيران: حدود المفاوضات وشبح الحرب

الثلاثاء - 03 فبراير 2026 - الساعة 08:42 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه .. - ارشيف الكاتب




يعود شبح الحرب ليخيّم فوق إيران، وهذا الأمر ليس جديداً على المنطقة فالقوة تُستدعى كلما انسدّت مسارات الإخضاع الناعم، أو تعثّرت محاولات إعادة هندسة السلوك السياسي للدول خارج منظومة الامتثال.
الحشود الأمريكية المتقدمة، من حاملات الطائرات إلى الأرمادا البحرية الممتدة على خرائط البحار، لا تتحرك بلغة الردع وحدها، وإنما بلغة الرسائل المركّبة.
وتترافق هذه الحشود مع حمّى إعلامية وسجالات وتحليلات متناقضة، في انتظار لحظة الحسم بين محادثات تُدار تحت سقف التهديد، أو حرب تُقدَّم لاحقاً باعتبارها "الخيار الاضطراري" الوحيد، وفق الرواية الأمريكية السائدة.
ما يتسرّب من كواليس السياسة يشير إلى محادثات اللحظة الأخيرة بين طهران وواشنطن، غالباً عبر وسطاء إقليميين ودوليين. غير أن هذه المحادثات لا تجري في مناخ تسوية متكافئة، بل في فضاء مشحون باحتمال أن يكون الفشل مطلوباً بحد ذاته، ليس بوصفه نتيجة، وإنما كأداة.
لأن الخطر لا يكمن هنا في فشل مفاوضات منصفة، بل في أن تُصاغ شروطها بطريقة تجعل قبولها مستحيلاً، لتتحول لاحقاً إلى وثيقة اتهام تُستخدم لتبرير الحرب.
وهنا لا تعود الدبلوماسية أداة للحل، وإنما مرحلة تمهيدية للصدام، تُستنفد شكلياً لكي تُغلق سياسياً.
في أحد السيناريوهات المتداولة، قد تُبدي إيران مرونة تكتيكية، مثل:
تثبيت التخصيب عند مستوى 20%،
نقل (جزء) من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة مثل تركيا، وكذلك القبول برقابة تقنية موسّعة.
هذه المرونة، من منظور طهران، ليست تنازلاً استراتيجياً، بل إدارة مخاطر تهدف إلى تفكيك الذرائع لدرء تفكيك القدرة. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري حاضراً: هل المطلوب من إيران إغلاق ملف نووي، أم تفريغ الدولة من أدوات الردع والسيادة؟
إلى جانب الهدف المعلن المتمثل في تحييد القدرات الإيرانية في الشرق الأوسط، وهو هاجس أمني دائم لدى إسرائيل، يبرز عامل أقل صخباً، لكنه ليس أقل عمقاً: الاقتصاد السياسي للطاقة.
إيران ليست مجرد خصم جيوسياسي، بل دولة مركزية في سوق النفط والغاز العالمي، تملك احتياطات ضخمة لم تُدمج بالكامل في السوق الدولية. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الحرب المحتملة بوصفها صراعاً أمنياً فحسب، بل كفرصة لإعادة هندسة قطاع الطاقة الإيراني، وفتحه أمام الاستثمارات، وإعادة إدماجه في السوق العالمية وفق الشروط والمصالح الأمريكية.
هذا السيناريو ليس افتراضياً، بل جزء من ذاكرة سياسية حديثة لم تُمحَ بعد. فقد شهد العالم نموذجاً واضحاً لم تكن فيها العمليات العسكرية مجرّد أدوات ردع، بل مفاتيح لإعادة ترتيب الاقتصادات الوطنية، وإخضاع قطاعات سيادية لمنطق السوق المهيمن بعد كسر العزلة السياسية بالقوة أو بالتهديد بها.
وما تزال حالة فنزويلا ماثلة وقريبة؛ حيث لم يجف بعد أثر تحليق الطائرات فوق كاراكاس من الذاكرة، حين تداخل العمل العسكري مع فتح قنوات الطاقة بشروط سياسية واقتصادية جديدة، وفق حسابات إدارة ترامب.
ومع أن إيران ليست فنزويلا، إلا أن الحرب المحتملة تتحول من حدث أمني استراتيجي إلى آلية ضبط شاملة:
ضبط التوازنات الإقليمية لصالح إسرائيل،
وضبط تدفقات الطاقة،
وضبط مسارات الاستثمار العالمي،
بحيث تصوغ الولايات المتحدة الأجندة التي تخدم مصالحها أولاً.
في هذا السياق، تندرج العمليات العسكرية الأمريكية المحتملة ضمن رؤية أوسع ترى في القوة أداة لإعادة تثبيت القيادة الاقتصادية عبر التفوق العسكري. وهو منطق انسجم، بدرجات متفاوتة، مع شعار "جعل أمريكا أقوى"، عبر إعادة التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي الحيوية، ومن خلال ذلك ممارسة ضغوط متنامية على الخصوم، وفي مقدمتهم الصين.
إذا فشلت المفاوضات، فلن تكون الحرب نتيجة تعنّت طرف واحد، بل ثمرة نظام دولي يعجز عن إنتاج تسويات عادلة، فيلجأ إلى القوة لإعادة كتابة القواعد. حرب كهذه، إن اندلعت، لن تكون محدودة الأثر، لأن إيران ليست دولة هامشية، بل عقدة استراتيجية في شبكة التوازنات الإقليمية وقد تمتد ارتداداتها على دول الاقليم مجتمعة.
أحمـــــــــــدع