السبت-31 يناير - 09:39 م-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


عقدة التمثيل… أم عقدة تحميل الجنوب وزر الفشل؟

السبت - 31 يناير 2026 - الساعة 03:32 م

الكاتب: صالح بامقيشم - ارشيف الكاتب





يحاول مقال الاستاذ همدان العليي الذي يتحدث " تمثيل الجنوب والمازق الشمالي" اختزال القضية الجنوبية في ما يسميه «عقدة التمثيل»، ويقدّمها بوصفها السبب الجوهري لفشل كل محاولات إنصاف الجنوب وسبب عثراته وصراعاته منذ الاستقلال وحتى اليوم. غير أن هذه القراءة، رغم طولها واستدعائها للمراجع، تعاني خللًا منهجيًا واضحًا: تحويل النتيجة إلى سبب، والضحية إلى متهم.
الاختلاف والتعدد داخل الجنوب لم يكونا يومًا استثناءً تاريخيًا بل حالة طبيعية في أي مجتمع سياسي حي.. التعدد لا يتحول إلى أزمة إلا عندما يُدار بعقلية إقصائية أو يُستخدم ذريعة لنزع الشرعية عن أي حامل سياسي لا يناسب مركز القوة. المشكلة ليست أن الجنوب متنوع، بل أن هذا التنوع جرى دائمًا التعامل معه كعائق بدل أن يُدار كحق وباعتاره عامل ثراء ينبغي الاستفادة منه


بعد الاستقلال، لم تكن الجبهة القومية حالة شاذة استولت على التمثيل بالقوة كما يُلمّح المقال، بل كانت نتاج شرعية ثورية فرضتها موازين التحرر، تمامًا كما حدث في الشمال بعد ثورة سبتمبر. الطعن اللاحق في تلك الشرعية لم يكن بحثًا عن توافق مثالي، بل جزءًا من صراع سياسي طبيعي داخل دولة ناشئة.
أما الصراعات داخل الحزب الاشتراكي فيتم تقديمها بشكل مضلل على أنها صراع «من يمثل الجنوب»، بينما كانت في حقيقتها صراعات سلطة داخل نظام أيديولوجي مغلق لم تشكك يومًا في وجود الدولة الجنوبية ولا في هويتها، بل في من يديرها
الأخطر في المقال هو المقارنة غير المتوازنة بين الشمال والجنوب: فصراعات الشمال تُمنح دائمًا تفسيرًا أخلاقيًا (جمهورية ضد إمامة)، بينما تُفسَّر صراعات الجنوب بوصفها خللًا بنيويًا تمثيليًا هذا ازدواج معياري يتجاهل أن الشمال نفسه عرف انقسامات وحروبًا وانقلابات داخل المعسكر الجمهوري دون أن يُوصم بعجز تمثيلي تاريخي.

ماذا عن صراع تكسير العظام بين الجبهة الوطنية وصنعاء ؟؟ وماذا عن المظلومية التاريخية لتعز وتهامة والبيضاء والمناطق الشافعية ؟ ماذا عن الصراع داخل المركز المقدس نفسه وتمظهراته التي بدت في معارك الحصبة بين حاشد وسنحان وصراع ديسمبر المرير بين صالح والحوثي

اظن ان الشمال اليمني في أمس الحاجة لحوار وطني يعاد فيه صياغة التمثيل وبناء الدولة حتى لو أفضى الأمر إلى الاعتراف بالحكم الامامي الذي يرزح تحت جبروته أبناء تهامة وتعز وبقية المناطق منذ ألف عام ويناضلون بصبر وجسارة للافتكاك منه
ماذا عن شرعية تمثيل ثورة 11 فبراير مابين توكل كرمان والشباب الرافضين للمبادرة الخليجية والتي على إثرها نشأت الاتهامات ببيع الثورة وتحويلها إلى أزمة ؟ الم يكن صراع الجبهة مع القوى " الرجعية " هو صراع على تمثيل " سبتمبر " ؟

أما الوحدة، فالسؤال عن «تفويض» الحزب الاشتراكي هو سؤال مضلل الوحدة تمت بين دولتين معترف بهما دوليًا لا بين فصيلين الطعن في تمثيل الجنوب عام 1990 هو ذاته الخطاب الذي استُخدم لاحقًا لتبرير حرب 1994 ونتائجها الكارثية على الجنوب، من إقصاء ونهب وتفكيك مؤسسات.

والحقيقة أن الحراك الجنوبي لم ينشأ بسبب «فراغ تمثيلي» بل كرد فعل على مظلومية سياسية واقتصادية واضحة. والانقسامات داخله لا تلغي عدالة القضية، تمامًا كما لم تُلغِ انقسامات الشمال قضيته الجمهورية وشيطنة كل حامل جنوبي بوصفه امتدادًا لعقدة تاريخية ليست تحليلًا بل نزعٌ متكرر للشرعية.
المشكلة، في جوهرها، ليست فسيفساء الجنوب ولا تعدده، بل فشل الدولة اليمنية – تاريخيًا – في بناء صيغة عادلة لإدارة التعدد. فكلما حاول الجنوبيون تنظيم أنفسهم، جرى تعريف هذا التنظيم كمشكلة، لا كحق.
وبالتالي فإن أزمة الجنوب ليست في عجزه عن إنتاج ممثل، بل في إصرار خصومه على إسقاط الشرعية عن أي تمثيل لا يخدم بقاء السيطرة المركزية. فالتعدد ليس العقدة، بل استخدامه ذريعة لتأجيل الاعتراف بالحقوق