من روائع الادب _ قصة ليف تولستوي

الجمعة - 06 سبتمبر 2024 - الساعة 07:14 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي : متابعات




من روائع الادب _ تولستوي

أصاب زوجة "أسكينوف" غم عظيم ولم تدر أي الروايات تصدق ، كان أولادهما صغارًا ما يزالون ، حتى أن أصغرهم كان رضيعًا . حملت الزوجة أولادها وسافرت إلى المدينة حيث سجنوا زوجها ، وإذ لم يسمحوا لها في البداية زيارته ، توسّلت وتضرّعت حتى منحها المسؤولون إذنًا خاصًا بالزيارة . مع أول نظرة ألقتها على زوجها بملابس السجن ومقيدًا بحديده ومجاورًا كل هذا العدد من اللصوص والمجرمين ، غابت عن الدنيا ، وفور أن استجمعت شتاتها ، جلست بجواره وطمأنته عن حالهم في المنزل وسألته عن أحواله وما جرى له . أخبرها "أسكينوف" بكل ما لاقاه وقال لها : "علينا أن نتقدم بعريضة بحالي إلى القيصر؛ لن يرضيه أن يقضي رجل برئ عمره وراء القضبان".

أخبرته زوجته في أسى بأنها قد قدمت بالفعل عريضة إلى القيصر بهذا المضمون ولكنها رُفضت .

لم يردّ "أسكينوف" واكتفى بحني رأسه واجمًا .

قالت زوجته : "لم تأت رؤياي إذن من فراغ ؛ حين رأيتك بشعرك الرمادي من تحت القبعة. هل تتذكر ؟ لم يكن عليك السفر في هذا اليوم من الأساس". مسّدت الزوجة شعراته بأصابعها وقالت في حنان : "فانيا يا عزيزي الغالي ، هلّا صارحت زوجتك بالحقيقة ؟ لم تكن أنت من ارتكبت هذا الجرم الشنيع ، اليس كذلك ؟"

"إذن أنتِ أيضا تشكين في براءتي ؟" قال "أسكينوف" ثم وضع رأسه بين يديه وبكى . جاء الحراس بعد قليل واصطحبوا زوجته وأولاده خارجًا بعد أن ودعهم للمرة الأخيرة.

حال انصراف الزوجة، فكّر "أسكينوف" مجددًا في السؤال الذي طرحته عليه زوجته وخلُص إلى نتيجة : "إن ربي وحده يعلم الحقيقة ، وإليه وحده عليّ أن أرفع عريضتي وأقدم شكواي ، ووحده تُرتجى منه الرحمة بحالي".

يئس "أسكينوف" من كل أمل في القانون ، وتوجه بكامل دعواه وأمله إلى ربه .

حُكم على "أسكينوف" بالجلد والعمل في المناجم ، وبعد استيفاء حكم الجلد بالسوط ، وإذ شُفيت جراحه ، نُقِل إلى سيبيريا ليلحق بأقرانه من المحكوم عليهم .

قضى "أسكينوف" ستة وعشرين عامًا في السجن ، وأصبح شعره أبيض بلون الثلج ونمت لحيته رمادية رفيعة . فارقته السعادة وأصبحت عاداته لا تتعدى التمشية قليلًا ثم التوقف لبرهة والانحناء في أسى ثم معاودة المسير ، لم يكن يضحك بتاتًا وكان يقضي غالبية أوقاته في الصلاة والدعاء .

تعلّم "أسكينوف" في السجن صناعة الأحذية وتكّسب منها مالًا قليلًا أعانه على شراء نسخة من كتاب "حياة القديسين". اعتاد “أسكينوف” قراءته حتى قبل إطفاء أنوار السجن ليلًا ، كما اعتاد قراءة الدروس في كنيسة السجن والغناء في الجوقة، إذ لم يحرمه الزمن أو الأسر من صوته الجميل .

ألف مسؤولو السجن وجود "أسكينوف" وارتاحوا إلى طبيعته الطيعة غير المشاغبة ، كما أنه قد حاز التقدير من جميع رفقائه في السجن ووقروه ومنحوه لقبي "العرّاب" و"القديس"، ولجأوا إليه ليتحدث بلسانهم إلى مسؤولي السجن عن رغباتهم أو شكواهم ، كما أنهم كانوا عادة ما يسألونه النصيحة أو يحكّمونه في جميع أمورهم وخلافاتهم .

لم تصل إلى "أسكينوف" طوال هذه المدّة أي أخبار عن زوجته أو أولاده ، ولم تكن لديه حتى أي معلومة أكيدة عن كونهم ما زالوا على قيد الحياة .

في صباح يوم عادي ، وصلت مجموعة جديدة من المجرمين إلى باحة السجن، وجلس النزلاء القدامى والجدد سويًا يتحادثون في أسباب التحاقهم بالسجن . بين النزلاء القدامى، جلس "أسكينوف" يستمع دون اهتمام حقيقي .

كان أحد المتحدثين رجل في الستين من عمره ، له لحية رمادية قصيرة ومهذّبة ، قال الرجل مُخبرًا عن أسباب القبض عليه : "حسنًا يا أصدقائي! سأخبركم ! لقد جئت إلى هنا لسبب تافه ، لقد فككت حصان كان قد رُبط في عربة، ولكنني لم أسرقه ، لقد استعرته فقط لأصل سريعًا إلى البيت ومن ثم أطلقت سراحه ، كما أن سائق العربة كان في الأصل صديقًا لي، لم يصدّقوني واقتادوني إلى هنا ، لم يستطيعوا أن يعرفوا كيف ومتي سرقت العربة ومع ذلك قبضوا عليَّ، أو تعلمون ؟ لقد فعلت أمرًا شنيعًا كان جديرًا به أن يرسلني إلى هنا سجينًا منذ زمن طويل، ولكني فلت منه بحظي ، والآن ها أنا هنا بسبب أمر تافه جدًا كهذا، هذه ليست مرتي الأولي في سيبيريا بالطبع ، ولكن المرة الفائتة لم ألبث طويلًا في السجن".

سأله أحدهم: "ومن أي مدينة أنت ؟"

ردّ السجين الجديد : "من بلدة فلاديمير، يناديني الجميع (ماكار) وأُلقّب أحيانا بـ (سيمينوفيتش)".

رفع "أسكينوف" راسه منتبهًا إذ سمع اسم بلدته وسأل السجين الجديد: "أخبرني يا (سيمينوفيتش) ، هل تسمع بـعائلة (أسكينوف) التاجر من بلدة (فلاديمير) ؟"

"أسمع عنهم؟ بل أعرفهم جيدًا ، إنهم أغنياء البلدة، إلا أن رب العائلة هو سجين في سيبيريا مثلنا ومثلك أنت أيضًا يا سيدي العجوز علي ما يبدو ، أخبرني ، ماذا فعلت حتى حللت هنا أسيرًا ؟"

ردّ "أسكينوف": "جئت هنا جزاء خطيئتي التي اقترفت".

سأل السجين : "وما هي خطيئتك؟"

وإذ لم يكن "أسكينوف" مستعدًا للحديث عن محادثته ، اكتفى بقول: "حسنًا ، لا داعي للحديث عن هذا الأمر، من المؤكد أنها خطيئة عظيمة استحقت سنوات سجني الطوال". أخبر رفقاء السجن "سيمينوفيتش" عن الحادثة التي أدت بـ "أسكينوف" إلى السجن ، وكيف أنه لم يقتل التاجر فعلًا وإنما زورت الأدلة ضده بشكل ما .

اندهش "سيمينوفيتش" لمّا سمع بالأمر وضرب بقبضته على ركبتيه قائلا : "هذا والله أمر عجيب، عجيب، لكم تقدمت في العمر يا سيدي العجوز".

تعجَّب السجناء من رد فعل "سيمينوفيتش" وسألوه إن كان هذا يعني أنه قد قابل "أسكينوف" من قبل ، فلم يردّ "سيمينوفيتش" وقال: "إنه حقًا لأمر عجيب أن نلتقي هنا مجددًا !"

حينها فقط رفع "أسكينوف" رأسه وتساءل إن كان لهذا الرجل معرفة بمن قتل التاجر فسأله: "ربما لديك علم بهذه القضية ؟"

أجاب "سيمينوفيتش" مراوغًا : "لقد سمعت بعض القيل والقال من هنا وهناك، مجرد شائعات في الغالب، وعلى كل ، لقد مر وقت طويل على هذه الحادثة ولم أعد أتذكر كل ما قيل عنها".

سأل "أسكينوف" مجددًا : "ألا تعلم إذن من قتل التاجر ؟"

ردّ "سيمينوفيتش": "بالطبع من قتله هو من وجدوا السكين في حقيبته ، إن كان هناك من خبأها دون علمك في الحقيبة فلا يمكن الجزم بوجوده حتى يعترف أحد بذلك الفعل ، ثم كيف لهذا الشخص ، إن وُجد ـ أن يخبئها في حقيبتك بينما كنت تنام واضعها تحت رأسك ، وإن حركها لاستيقظت من فورك".

فور سماعه بالجملة الأخيرة ، تيقن "أسكينوف" من كونه قد قابل القاتل أخيرًا وجها لوجه .

يطلع الرب على الحقيقة .. وبعد أجل يبديها

قصة ليف تولستوي

ترجمتها عن الروسية: رولا عادل رشوان

متعلقات