الأربعاء-04 نوفمبر - 01:08 م-مدينة عدن

عدن تحت القصف الإيطالي عام 1940م. ( صور )

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 10:07 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن " عدن سيتي " تقرير : بلال غلام حسين







عدن تحت القصف الإيطالي عام 1940م.



عدن عام 1940م.. حين جاءت الحرب من السماء
في صيف عام 1940م، لم تكن عدن بعيدة عن نيران الحرب العالمية الثانية التي كانت تشتعل في أنحاء العالم، فقد وجدت المدينة نفسها في قلب المواجهة، حين أصبحت سماؤها مسرحاً لغارات الطائرات الحربية الإيطالية، وتحول ميناؤها وموقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر إلى هدف عسكري مهم.

فبعد دخول إيطاليا الحرب في 10 يونيو 1940م، لم تمضِ سوى أيام حتى وصلت طائراتها إلى سماء عدن، وبدأت الغارات الجوية على المدينة في 13 يونيو من العام نفسه، لتدخل عدن مرحلة استثنائية من تاريخها، امتزج فيها الخوف من القصف بالاستعدادات العسكرية والإجراءات المدنية الرامية إلى حماية السكان والمحافظة على الحياة العامة .. كانت صفارات الإنذار تدوي في أحياء المدينة، والطائرات الإيطالية تحلق في سمائها، بينما تتصدى لها المدافع المضادة للطائرات .. وفي البيوت والأسواق والشوارع، كان الأهالي يتابعون أخبار الغارات، ويستعدون لما قد تحمله الساعات القادمة.


ولم تكن آثار الحرب محصورة في المواقع العسكرية، فقد امتدت إلى حياة الناس اليومية، وأثرت في الحركة التجارية والمواصلات، ودفعت بعض الأسر إلى مغادرة عدن مؤقتاً نحو لحج والمناطق المجاورة، بحثاً عن مكان أكثر أمناً .. وقد سجلت الصحافة العدنية في 16 يونيو 1940م مرور أربع وعشرين ساعة دون غارة جوية على المدينة، وهو خبر يكشف بحد ذاته عن طبيعة تلك الأيام، حين كان انقضاء يوم كامل دون قصف أمراً يستحق الذكر.

وفي 23 يونيو من العام نفسه، أعلنت النشرة الرسمية في عدن عن هبوط قاذفة إيطالية في منطقة حصن بلعيد، على مسافة تقارب 150 ميلاً شرقي عدن، والقبض على أفراد طاقمها الخمسة، في واحدة من الوقائع التي سجلتها أخبار الحرب في تلك الفترة .. ولم تكن مواجهة الحرب بالسلاح وحده، بل كانت هناك معركة أخرى لحماية حياة الناس وتأمين احتياجاتهم اليومية.

ففي 15 يوليو 1940م، صدر القانون رقم (22)، الذي منح مراقب التموينات المدنية صلاحية ضبط أسعار السلع وتحديدها كلما ظهرت مؤشرات على ارتفاعها، في محاولة لمنع استغلال ظروف الحرب واحتياجات السكان، وكان ذلك من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة عدن، إدراكاً لما يمكن أن تسببه الحرب من اضطراب في الأسواق وارتفاع في الأسعار ونقص في المواد الضرورية.

أما في الجانب الأمني، فقد فرضت السلطات قيوداً صارمة على الإضاءة ليلاً، وأصدرت الإفادة الرسمية رقم (91)، التي حظرت إظهار أي ضوء يمكن مشاهدته من ارتفاع ألفي قدم، أو من مسافة ميل واحد من البحر، وعدت مخالفة تلك التعليمات بعد توجيه الإنذار جريمة يعاقب عليها القانون، وكان الغرض من هذه الإجراءات منع الطائرات الإيطالية من الاستدلال بأضواء المنازل والشوارع على مواقع المدينة أثناء الغارات الليلية .. ولم تكن تلك التعليمات مجرد قرارات مكتوبة، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للسكان، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين باتخاذ احتياطات لم تكن مألوفة في حياتهم قبل الحرب.

وفي 4 أغسطس 1940م، تعرضت عدن لغارة جوية إيطالية أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة خمسة عشر آخرين، بينهم نساء، في حادثة أظهرت حجم الخطر الذي بات يهدد السكان، وأمام استمرار الغارات، برز دور المجتمع العدني في مساندة الجهود الرسمية.

وفي 19 أغسطس 1940م، نشطت جمعية الصليب الأحمر في جمع الإعانات من أعيان المدينة لدعم الخدمات الطبية، بإشراف الطبيب الهندي الدكتور جاولكر، بينما تطوع عدد كبير من أبناء عدن للعمل في فرق الإسعافات الأولية وفرق الحماية أثناء الغارات الجوية .. كما وزعت الحكومة الكمامات على السكان، وقدمت أكياس الرمل لوضعها أمام المنازل ضمن الاحتياطات المتخذة للحد من أخطار القصف .. وهكذا لم يكن أهل عدن مجرد متابعين لأخبار الحرب، بل شارك كثير منهم في مواجهة آثارها، كل بحسب قدرته وموقعه.

وكان لأعيان عدن وتجارها حضور واضح في تلك المرحلة، سواء في دعم الخدمات العامة أو المساهمة في المبادرات المتعلقة بالدفاع عن المدينة، فقد شهد منزل الشيخ علي بن محمد بازرعة اجتماعاً ضم عدداً من أعيان عدن، بحضور المستر بلات، السكرتير العام للمستعمرة بالنيابة عن الحاكم السير ريجنالد شامبيون، حيث نُقل إلى المجتمعين نداء من الحاكم بشأن المساهمة في شراء طائرات مقاتلة من طراز �هوريكان� لتعزيز الدفاعات الجوية.

وفي 15 سبتمبر 1940م، أقيمت حملة تبرعات لصندوق طائرات العاصفة العدنية، وأعلنت نشر أسماء المتبرعين والمبالغ التي يقدمونها، ومن بينهم محمد علي لقمان الذي ساهم بمبلغ 200 روبية.
وقد ارتبطت هذه المبادرة بطائرات مقاتلة حملت اسم عدن، في واقعة بقيت حاضرة في السجلات التاريخية للطائرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية .. وأُسفرت تلك الجهود عن مساهمة حكومية بلغت 100 ألف روبية، في حين بلغت قيمة ثلاث طائرات مقاتلة نحو 220 ألف روبية، كما ساهم الأهالي بمبلغ وصل إلى 22,550 روبية وفق الأرقام التي أوردتها الصحافة العدنية، وكانت تلك المبالغ كبيرة بمقاييس ذلك الزمن، وتعكس حجم المشاركة المالية التي شهدتها المدينة في ظروف الحرب.

ولم يقتصر نشاط المجتمع العدني على جمع التبرعات، فقد كانت الصحافة المحلية تؤدي دوراً مهماً في نقل الأخبار والتعليمات الرسمية ومتابعة تطورات الحرب، في وقت كانت فيه وسائل الاتصال محدودة مقارنة بما نعرفه اليوم .. وفي تلك المرحلة أيضاً، عرفت عدن نشاطاً إذاعياً تمثل في محطة �صوت الجزيرة�، التي كانت تبث برامجها على الموجة القصيرة، وتبدأ إرسالها عند الساعة السابعة والنصف مساءً.

ومع استمرار الحرب، لم تتوقف الغارات الجوية.
ففي صباح الأحد 20 أكتوبر 1940م، الموافق 18 رمضان 1359هـ، وتحديداً عند الساعة الثامنة وأربعين دقيقة، عادت الطائرات الإيطالية إلى سماء عدن، وألقت إحدى الطائرات قنابلها على المدينة، دون أن تسجل أضرار بحسب الخبر المنشور آنذاك، فيما تصدت لها الدفاعات الجوية البريطانية وأصابت أحد محركاتها.

وكانت مثل هذه الأخبار تتردد في الصحف المحلية، لتوثق يوماً بعد يوم ما شهدته المدينة من أحداث، وما اتخذته السلطات من تدابير لمواجهة الأخطار.
وفي خضم تلك الظروف .. ولم تغب قضايا الأمن والنظام العام عن اهتمامات أعيان عدن ومؤسساتها التجارية. فقد عقدت غرفة عدن التجارية اجتماعاً خاصاً ناقشت فيه الاضطرابات التي شهدتها المدينة وتأثيرها في الحركة التجارية وتسهيلات الميناء، ورفعت مذكرة إلى الحاكم السير ريجنالد شامبيون تطالب فيها بتشكيل هيئة قضائية للتحقيق في أسباب تلك الاضطرابات، واقتراح الإجراءات الكفيلة بحماية الأمن العام.

كما دعت الغرفة إلى نشر نتائج التحقيق على نطاق واسع، بما يعزز ثقة السكان بسيادة القانون، وأكدت ضرورة تعاون جميع فئات المجتمع للمحافظة على الأرواح والممتلكات، حتى يشعر كل من يعيش في عدن، من أبناء المدينة أو المقيمين فيها، بالأمن على نفسه وماله.

ومن جانبه، وجه حاكم عدن السير ريجنالد شامبيون رسالة إلى أهالي عدن، أكد فيها أن الحكومة ستواصل العمل من أجل سلامتهم، معرباً عن ثقته بقدرة المدينة على تجاوز تلك المرحلة، ومشيداً بتعاون مختلف الطوائف والطبقات مع السلطات في اتخاذ التدابير الضرورية. وفي الوقت نفسه، شهدت المحاكم تشدداً في التعامل مع بعض الجرائم، حتى تلك التي قد تبدو بسيطة في الظروف العادية.

ومن الأحكام التي نقلتها الصحافة آنذاك صدور حكم بالسجن ستة أشهر على شخص سرق دجاجتين وكانت له سوابق، وحكم آخر بالسجن ثلاثة أشهر على شخص سرق قلصين من مقهاية زكو.

وتعكس هذه الوقائع طبيعة الإجراءات القضائية والأمنية الصارمة التي شهدتها عدن في تلك الفترة، حين كانت السلطات تسعى إلى منع الاضطرابات والمحافظة على النظام العام وسط ظروف الحرب،
ولعل ما يستوقف القارئ اليوم، وهو يعود إلى أخبار عدن عام 1940م، أن تلك المدينة لم تكن تواجه الطائرات الإيطالية وحدها، بل كانت تواجه أيضاً تحديات التموين والأسعار، وحماية المنازل، واستمرار التجارة، ورعاية المصابين، وتنظيم الحياة اليومية تحت تهديد الغارات .. كانت هناك حكومة تصدر القوانين والتعليمات، وأطباء ومتطوعون يقدمون المساعدة، وتجار وأعيان يجمعون التبرعات، وصحافة تسجل الأحداث وتنقل أخبارها، وأهالٍ يحاولون مواصلة حياتهم رغم ما يحيط بهم من أخطار.

ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن عدن، وهي تعيش ظروف الحرب العالمية الثانية، شهدت إجراءات منظمة شملت ضبط الأسعار، والاستعداد الطبي، والحماية المدنية، وتنظيم الإضاءة، ومتابعة الأمن، إلى جانب المشاركة المجتمعية في مواجهة الأزمة، ولا يعني ذلك أن الحياة كانت سهلة، أو أن المدينة لم تعرف الخوف والمعاناة، فقد كانت الغارات والضحايا والنزوح والقيود اليومية جزءاً من واقع السكان، لكن تلك الوقائع تكشف عن جانب مهم من تاريخ عدن الاجتماعي والإداري خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها.

واليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على تلك الأحداث، تبقى الصحف العدنية القديمة وذاكرة أبناء عدن، شاهداً على تفاصيل ربما غابت عن ذاكرة الكثيرين، فهي لم تحفظ لنا أخبار الطائرات والقنابل وحدها، بل حفظت أسماء الرجال الذين اجتمعوا، والأطباء الذين تطوعوا، والتجار الذين تبرعوا، والقوانين التي صدرت، والأموال التي جُمعت، وحتى التعليمات التي كانت تحدد مقدار الضوء المسموح بخروجه من نوافذ المنازل، وهنا تكمن أهمية العودة إلى تلك الصحف، لأنها تقدم لنا تاريخ عدن كما عاشه الناس في أيامه، لا كما يُروى بعد مرور عشرات السنين.

لقد كانت عدن عام 1940م مدينة تعيش تحت تهديد الحرب، لكنها لم تتوقف عن تنظيم شؤونها، ولم يغب أهلها عن المشاركة في مواجهة ظروفها.
وإذا كانت الطائرات الإيطالية قد تركت في تاريخ المدينة صفحات من الخوف والقصف، فإن الصحف العدنية حفظت في المقابل صفحات أخرى من التعاون والتكافل والمسؤولية، وهي صفحات لا تقل أهمية عن أخبار المعارك نفسها.

فتاريخ عدن ليس تاريخ ميناء وموقع جغرافي فحسب، بل تاريخ مدينة وأهل ومؤسسات وصحافة ومواقف، وتاريخ أجيال عاشت أحداثاً كبيرة وتركت لنا من الشواهد ما يستحق أن يُقرأ ويُحفظ .. عدن، مدينة عبرت فوق سمائها طائرات الحرب، وبقيت على أرضها حكايات أهلها شاهدة على زمن لا ينبغي أن يُنسى.

بلال غلام حسين.

-------------------------------------

عدن عام 1940م.. حين جاءت الحرب من السماء
في صيف عام 1940م، لم تكن عدن بعيدة عن نيران الحرب العالمية الثانية التي كانت تشتعل في أنحاء العالم، فقد وجدت المدينة نفسها في قلب المواجهة، حين أصبحت سماؤها مسرحاً لغارات الطائرات الحربية الإيطالية، وتحول ميناؤها وموقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر إلى هدف عسكري مهم.

فبعد دخول إيطاليا الحرب في 10 يونيو 1940م، لم تمضِ سوى أيام حتى وصلت طائراتها إلى سماء عدن، وبدأت الغارات الجوية على المدينة في 13 يونيو من العام نفسه، لتدخل عدن مرحلة استثنائية من تاريخها، امتزج فيها الخوف من القصف بالاستعدادات العسكرية والإجراءات المدنية الرامية إلى حماية السكان والمحافظة على الحياة العامة .. كانت صفارات الإنذار تدوي في أحياء المدينة، والطائرات الإيطالية تحلق في سمائها، بينما تتصدى لها المدافع المضادة للطائرات .. وفي البيوت والأسواق والشوارع، كان الأهالي يتابعون أخبار الغارات، ويستعدون لما قد تحمله الساعات القادمة.


ولم تكن آثار الحرب محصورة في المواقع العسكرية، فقد امتدت إلى حياة الناس اليومية، وأثرت في الحركة التجارية والمواصلات، ودفعت بعض الأسر إلى مغادرة عدن مؤقتاً نحو لحج والمناطق المجاورة، بحثاً عن مكان أكثر أمناً .. وقد سجلت الصحافة العدنية في 16 يونيو 1940م مرور أربع وعشرين ساعة دون غارة جوية على المدينة، وهو خبر يكشف بحد ذاته عن طبيعة تلك الأيام، حين كان انقضاء يوم كامل دون قصف أمراً يستحق الذكر.

وفي 23 يونيو من العام نفسه، أعلنت النشرة الرسمية في عدن عن هبوط قاذفة إيطالية في منطقة حصن بلعيد، على مسافة تقارب 150 ميلاً شرقي عدن، والقبض على أفراد طاقمها الخمسة، في واحدة من الوقائع التي سجلتها أخبار الحرب في تلك الفترة .. ولم تكن مواجهة الحرب بالسلاح وحده، بل كانت هناك معركة أخرى لحماية حياة الناس وتأمين احتياجاتهم اليومية.

ففي 15 يوليو 1940م، صدر القانون رقم (22)، الذي منح مراقب التموينات المدنية صلاحية ضبط أسعار السلع وتحديدها كلما ظهرت مؤشرات على ارتفاعها، في محاولة لمنع استغلال ظروف الحرب واحتياجات السكان، وكان ذلك من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة عدن، إدراكاً لما يمكن أن تسببه الحرب من اضطراب في الأسواق وارتفاع في الأسعار ونقص في المواد الضرورية.

أما في الجانب الأمني، فقد فرضت السلطات قيوداً صارمة على الإضاءة ليلاً، وأصدرت الإفادة الرسمية رقم (91)، التي حظرت إظهار أي ضوء يمكن مشاهدته من ارتفاع ألفي قدم، أو من مسافة ميل واحد من البحر، وعدت مخالفة تلك التعليمات بعد توجيه الإنذار جريمة يعاقب عليها القانون، وكان الغرض من هذه الإجراءات منع الطائرات الإيطالية من الاستدلال بأضواء المنازل والشوارع على مواقع المدينة أثناء الغارات الليلية .. ولم تكن تلك التعليمات مجرد قرارات مكتوبة، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للسكان، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين باتخاذ احتياطات لم تكن مألوفة في حياتهم قبل الحرب.

وفي 4 أغسطس 1940م، تعرضت عدن لغارة جوية إيطالية أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة خمسة عشر آخرين، بينهم نساء، في حادثة أظهرت حجم الخطر الذي بات يهدد السكان، وأمام استمرار الغارات، برز دور المجتمع العدني في مساندة الجهود الرسمية.

وفي 19 أغسطس 1940م، نشطت جمعية الصليب الأحمر في جمع الإعانات من أعيان المدينة لدعم الخدمات الطبية، بإشراف الطبيب الهندي الدكتور جاولكر، بينما تطوع عدد كبير من أبناء عدن للعمل في فرق الإسعافات الأولية وفرق الحماية أثناء الغارات الجوية .. كما وزعت الحكومة الكمامات على السكان، وقدمت أكياس الرمل لوضعها أمام المنازل ضمن الاحتياطات المتخذة للحد من أخطار القصف .. وهكذا لم يكن أهل عدن مجرد متابعين لأخبار الحرب، بل شارك كثير منهم في مواجهة آثارها، كل بحسب قدرته وموقعه.

وكان لأعيان عدن وتجارها حضور واضح في تلك المرحلة، سواء في دعم الخدمات العامة أو المساهمة في المبادرات المتعلقة بالدفاع عن المدينة، فقد شهد منزل الشيخ علي بن محمد بازرعة اجتماعاً ضم عدداً من أعيان عدن، بحضور المستر بلات، السكرتير العام للمستعمرة بالنيابة عن الحاكم السير ريجنالد شامبيون، حيث نُقل إلى المجتمعين نداء من الحاكم بشأن المساهمة في شراء طائرات مقاتلة من طراز �هوريكان� لتعزيز الدفاعات الجوية.

وفي 15 سبتمبر 1940م، أقيمت حملة تبرعات لصندوق طائرات العاصفة العدنية، وأعلنت نشر أسماء المتبرعين والمبالغ التي يقدمونها، ومن بينهم محمد علي لقمان الذي ساهم بمبلغ 200 روبية.
وقد ارتبطت هذه المبادرة بطائرات مقاتلة حملت اسم عدن، في واقعة بقيت حاضرة في السجلات التاريخية للطائرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية .. وأُسفرت تلك الجهود عن مساهمة حكومية بلغت 100 ألف روبية، في حين بلغت قيمة ثلاث طائرات مقاتلة نحو 220 ألف روبية، كما ساهم الأهالي بمبلغ وصل إلى 22,550 روبية وفق الأرقام التي أوردتها الصحافة العدنية، وكانت تلك المبالغ كبيرة بمقاييس ذلك الزمن، وتعكس حجم المشاركة المالية التي شهدتها المدينة في ظروف الحرب.

ولم يقتصر نشاط المجتمع العدني على جمع التبرعات، فقد كانت الصحافة المحلية تؤدي دوراً مهماً في نقل الأخبار والتعليمات الرسمية ومتابعة تطورات الحرب، في وقت كانت فيه وسائل الاتصال محدودة مقارنة بما نعرفه اليوم .. وفي تلك المرحلة أيضاً، عرفت عدن نشاطاً إذاعياً تمثل في محطة �صوت الجزيرة�، التي كانت تبث برامجها على الموجة القصيرة، وتبدأ إرسالها عند الساعة السابعة والنصف مساءً.

ومع استمرار الحرب، لم تتوقف الغارات الجوية.
ففي صباح الأحد 20 أكتوبر 1940م، الموافق 18 رمضان 1359هـ، وتحديداً عند الساعة الثامنة وأربعين دقيقة، عادت الطائرات الإيطالية إلى سماء عدن، وألقت إحدى الطائرات قنابلها على المدينة، دون أن تسجل أضرار بحسب الخبر المنشور آنذاك، فيما تصدت لها الدفاعات الجوية البريطانية وأصابت أحد محركاتها.

وكانت مثل هذه الأخبار تتردد في الصحف المحلية، لتوثق يوماً بعد يوم ما شهدته المدينة من أحداث، وما اتخذته السلطات من تدابير لمواجهة الأخطار.
وفي خضم تلك الظروف .. ولم تغب قضايا الأمن والنظام العام عن اهتمامات أعيان عدن ومؤسساتها التجارية. فقد عقدت غرفة عدن التجارية اجتماعاً خاصاً ناقشت فيه الاضطرابات التي شهدتها المدينة وتأثيرها في الحركة التجارية وتسهيلات الميناء، ورفعت مذكرة إلى الحاكم السير ريجنالد شامبيون تطالب فيها بتشكيل هيئة قضائية للتحقيق في أسباب تلك الاضطرابات، واقتراح الإجراءات الكفيلة بحماية الأمن العام.

كما دعت الغرفة إلى نشر نتائج التحقيق على نطاق واسع، بما يعزز ثقة السكان بسيادة القانون، وأكدت ضرورة تعاون جميع فئات المجتمع للمحافظة على الأرواح والممتلكات، حتى يشعر كل من يعيش في عدن، من أبناء المدينة أو المقيمين فيها، بالأمن على نفسه وماله.

ومن جانبه، وجه حاكم عدن السير ريجنالد شامبيون رسالة إلى أهالي عدن، أكد فيها أن الحكومة ستواصل العمل من أجل سلامتهم، معرباً عن ثقته بقدرة المدينة على تجاوز تلك المرحلة، ومشيداً بتعاون مختلف الطوائف والطبقات مع السلطات في اتخاذ التدابير الضرورية. وفي الوقت نفسه، شهدت المحاكم تشدداً في التعامل مع بعض الجرائم، حتى تلك التي قد تبدو بسيطة في الظروف العادية.

ومن الأحكام التي نقلتها الصحافة آنذاك صدور حكم بالسجن ستة أشهر على شخص سرق دجاجتين وكانت له سوابق، وحكم آخر بالسجن ثلاثة أشهر على شخص سرق قلصين من مقهاية زكو.

وتعكس هذه الوقائع طبيعة الإجراءات القضائية والأمنية الصارمة التي شهدتها عدن في تلك الفترة، حين كانت السلطات تسعى إلى منع الاضطرابات والمحافظة على النظام العام وسط ظروف الحرب،
ولعل ما يستوقف القارئ اليوم، وهو يعود إلى أخبار عدن عام 1940م، أن تلك المدينة لم تكن تواجه الطائرات الإيطالية وحدها، بل كانت تواجه أيضاً تحديات التموين والأسعار، وحماية المنازل، واستمرار التجارة، ورعاية المصابين، وتنظيم الحياة اليومية تحت تهديد الغارات .. كانت هناك حكومة تصدر القوانين والتعليمات، وأطباء ومتطوعون يقدمون المساعدة، وتجار وأعيان يجمعون التبرعات، وصحافة تسجل الأحداث وتنقل أخبارها، وأهالٍ يحاولون مواصلة حياتهم رغم ما يحيط بهم من أخطار.

ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن عدن، وهي تعيش ظروف الحرب العالمية الثانية، شهدت إجراءات منظمة شملت ضبط الأسعار، والاستعداد الطبي، والحماية المدنية، وتنظيم الإضاءة، ومتابعة الأمن، إلى جانب المشاركة المجتمعية في مواجهة الأزمة، ولا يعني ذلك أن الحياة كانت سهلة، أو أن المدينة لم تعرف الخوف والمعاناة، فقد كانت الغارات والضحايا والنزوح والقيود اليومية جزءاً من واقع السكان، لكن تلك الوقائع تكشف عن جانب مهم من تاريخ عدن الاجتماعي والإداري خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها.

واليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على تلك الأحداث، تبقى الصحف العدنية القديمة وذاكرة أبناء عدن، شاهداً على تفاصيل ربما غابت عن ذاكرة الكثيرين، فهي لم تحفظ لنا أخبار الطائرات والقنابل وحدها، بل حفظت أسماء الرجال الذين اجتمعوا، والأطباء الذين تطوعوا، والتجار الذين تبرعوا، والقوانين التي صدرت، والأموال التي جُمعت، وحتى التعليمات التي كانت تحدد مقدار الضوء المسموح بخروجه من نوافذ المنازل، وهنا تكمن أهمية العودة إلى تلك الصحف، لأنها تقدم لنا تاريخ عدن كما عاشه الناس في أيامه، لا كما يُروى بعد مرور عشرات السنين.

لقد كانت عدن عام 1940م مدينة تعيش تحت تهديد الحرب، لكنها لم تتوقف عن تنظيم شؤونها، ولم يغب أهلها عن المشاركة في مواجهة ظروفها.
وإذا كانت الطائرات الإيطالية قد تركت في تاريخ المدينة صفحات من الخوف والقصف، فإن الصحف العدنية حفظت في المقابل صفحات أخرى من التعاون والتكافل والمسؤولية، وهي صفحات لا تقل أهمية عن أخبار المعارك نفسها.

فتاريخ عدن ليس تاريخ ميناء وموقع جغرافي فحسب، بل تاريخ مدينة وأهل ومؤسسات وصحافة ومواقف، وتاريخ أجيال عاشت أحداثاً كبيرة وتركت لنا من الشواهد ما يستحق أن يُقرأ ويُحفظ .. عدن، مدينة عبرت فوق سمائها طائرات الحرب، وبقيت على أرضها حكايات أهلها شاهدة على زمن لا ينبغي أن يُنسى.

بلال غلام حسين.






















متعلقات