الثلاثاء-03 نوفمبر - 07:26 م-مدينة عدن

عدن.. المدينة التي كانت ملاذاً آمناً فكيف صارت تبحث عن الماء والكهرباء؟

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 06:31 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات



لو جلستَ مع تاريخ عدن هذه المدينة العتيقة التي عُرفت باسم مدينة السلام والأمن والأمان، لسمعتَ منها حكايات طويلة عن أناس جاءوها من كل مكان، لا للتجارة ولا للسياحة، بل هرباً من الظلم وبحثاً عن وطن يحتضنهم، ومن هنا يولد السؤال الذي يقف أمامه المرء مدهوشاً: لماذا عدن؟ ولماذا كانت هذه المدينة الصغيرة على الخريطة كبيرة جداً في قلوب الفارين؟

تقول كتب التاريخ إن الهجرة إلى عدن لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت نهراً متدفقاً منذ زمن بعيد، وكان أكثر القادمين إليها أناساً فروا من القهر والجبروت، فوجدوا في عدن ملاذاً آمناً ووطناً بديلاً.

وفي نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، هاجر كثيرون من مناطق حكم الأئمة في ما يسمى بالمملكة المتوكلية الهاشمية (اليمن)، حيث كان النظام السلالي الطائفي يمارس قسوته على الناس، فانتشر الجهل والمرض والجوع، واضطرت أسر كثيرة إلى الفرار نحو عدن وإمارة الضالع وسلطنة لحج، وما زالت تلك الأسر حاضرة بيننا إلى اليوم.

ومن أبرز من فروا من جبروت الإمامة أبو الأحرار الزبيري والنعمان، وكثير من أبناء تعز والقبيطة والمقاطرة والبيضاء وتهامة، وقد استوطن كثير من هؤلاء في عدن وضواحيها، فصارت المدينة لهم بيتاً وأمناً ومستقراً.

ولم تكن عدن ملاذاً لأبناء اليمن وحدهم، بل فتحت ذراعيها لمهاجرين من الصومال والهند وفارس، فاختلطوا بأهلها وأصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي.

وفي مطلع التسعينات من القرن العشرين، هاجرت مئات العائلات من الصومال بسبب الحرب إلى عدن، وما زال بعضهم فيها.
وفي السنوات الأخيرة شهدت المدينة هجرة غير شرعية من الصومال وأثيوبيا (الأورومو)، أحدثت بعض الإشكاليات لأهالي المدينة العتيقة، وزادت من تعقيد حياتهم اليومية.

لكن المفارقة الكبرى والمؤلمة، أن المدينة التي كانت بالأمس القريب ملاذاً آمناً للأحرار، تتحول اليوم إلى مدينة منكوبة تتقاطعها أيادي السياسة، وتتجادبها سماسرة العبث من الداخل والخارج، حتى صارت تبحث عن أبسط مقومات الحياة من ماء تشربه، وكهرباء تضيء بيوتها، وعيش كريم يحفظ كرامة أبنائها.

لقد حولتها الصراعات إلى قرية كبيرة تتعب في الحصول على ما كان حقاً بديهياً.
والحرب كما نعرف جميعاً لا تحترم تاريخ المدن ولا حضارتها، بل تتكلم فقط لغة الدمار، ولا تبقي ولا تذر.

ومع كل ذلك يقف أبناء الجنوب في وجه هذه المؤامرة الكبرى بصمود لا ينتهي ولا يلين، وثبات كثبات الجبال الراسيات، يواجهون مخططاً يُحاك من خارج الإقليم وتدعمه أيادٍ محلية، هدفه إخضاع الجنوب وتركيعه لمشروع طائفي لا يعرف إلا لغة الدم.

لكن من لا يعرف الجنوب وأبناءه، ومن لا يقرأ تاريخهم الطويل في الصمود والفرار من الظلم، سيبقى كالأعمى في الهشيم، لا يرى الحقيقة ولا يدرك حجم المعركة.

عدن ليست مجرد مدينة على البحر، بل هي حكاية إنسانية طويلة عن الفرار من القهر والبحث عن الأمان، ومن حق هذه المدينة ومن حق أبنائها أن يعيشوا بكرامة، وأن تعود إليهم مدينتهم كما كانت ملاذاً آمناً، ووطناً يحتضن الجميع.

متعلقات