تقارير وتحقيقات إلى خالد الرويشان..
الجمعة-30 أكتوبر - 11:33 م-مدينة عدن

5 آلاف كيان خلف ترسانة إيران: كيف تستمر طهران في تعويض صواريخها ومسيّراتها خلال الحرب؟

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 10:27 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات





كشف تحقيق استقصائي لوكالة "رويترز"، نُشر في 29 أكتوبر 2026، عن شبكة عسكرية ومالية إيرانية تضم أكثر من خمسة آلاف كيان، قال التحقيق إنها ترتبط بوزارة الدفاع وتستخدم لاستيراد معدات ومكونات تدخل في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، والالتفاف على العقوبات والحصار الأمريكي.
واستند التحقيق إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية الإيرانية ووثائق الشركات وبيانات الاستيراد والشحن، وحدد كيانات تحمل تسمية "ودجا"، اختصاراً لوزارة الدفاع الإيرانية. ووفق "رويترز"، استورد كيان واحد يحمل الرقم "ودجا 346428" معدات عسكرية بقيمة 2.3 مليار دولار بين يناير 2025 ويونيو 2026، تضمنت مواد مرتبطة بوقود الصواريخ، ومتفجرات وصواعق، ومكونات لمحركات الطائرات، وشاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات إطلاق. وأظهرت البيانات وصول الإمدادات براً وبحراً وجواً، ومن مصادر شملت الصين وروسيا ودولاً أوروبية. ولم ترد الجهات الإيرانية المعنية على طلبات "رويترز" للتعليق.

التحليل
يقدم التحقيق تفسيراً محتملاً لأحد أهم الأسئلة العسكرية التي فرضتها الحرب منذ فبراير 2026: كيف تستطيع إيران المحافظة على وتيرة إطلاق الصواريخ والمسيّرات رغم استهداف منشآت الإنتاج والمخازن ومنصات الإطلاق وفرض القيود على الإمدادات؟ فالمعطيات المنشورة تشير إلى أن طهران لا تعتمد على خط إمداد واحد يمكن قطعه، وإنما على منظومة موزعة تجمع التمويل والتجارة والوسطاء وشركات الواجهة ومسارات النقل المختلفة.
وتكمن قوة هذه المنظومة في ثلاثة عناصر. الأول هو الحجم؛ إذ إن وجود آلاف الكيانات يجعل استهداف الشبكة بالعقوبات أكثر تعقيداً من استهداف مجموعة محدودة من الشركات المعروفة. والثاني هو التوزع الجغرافي، مع دخول المواد عبر بحر قزوين وآسيا الوسطى والنقل البحري والجوي. أما الثالث فهو طريقة التمويل؛ إذ أفاد التحقيق بأن 97% من الشحنات التي راجعتها "رويترز" تمت تسويتها دون تحويل مالي مباشر عبر الحدود، بما يقلل فرص رصدها عبر النظام المصرفي التقليدي.
والأكثر أهمية عسكرياً أن الواردات لا تقتصر على الأسلحة الجاهزة، بل تشمل مدخلات الإنتاج وإعادة البناء: مواد كيميائية لوقود الصواريخ، صواعق ومتفجرات، معدات تصنيع دقيقة، مكونات محركات ومركبات ثقيلة. وهذا يعني أن الهدف قد يكون المحافظة على قدرة إيران المحلية على الإنتاج والتجميع والتعويض، وليس مجرد استيراد ذخائر مكتملة.
لكن التحقيق لا يثبت أن جميع المواد المستوردة استُخدمت عسكرياً، إذ إن جانباً منها مزدوج الاستخدام، كما لا يحدد حجم الإنتاج الذي تحقق فعلياً أو نسبة ما عوضته إيران من خسائرها. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية للبيانات تكمن في إثبات استمرار تدفق مدخلات يمكن أن تدعم إعادة بناء القدرات، وليس في إثبات حجم الترسانة الإيرانية الحالية.

المسارات المحتملة
المسار الأول هو استمرار الشبكة في العمل مع تغيير الشركات والوسطاء ومسارات النقل كلما تعرض أحد مكوناتها للعقوبات أو الاستهداف، بما يسمح لإيران بالمحافظة على مستوى من إعادة الإمداد دون استعادة كامل قدراتها السابقة.
المسار الثاني يتمثل في انتقال الضغط الأمريكي والغربي من استهداف المصانع والمنصات إلى تفكيك الشبكة المالية واللوجستية نفسها، خصوصاً بعد الكشف عن أرقام الكيانات ومسارات التمويل والشحن. أما المسار الأكثر خطورة إقليمياً فهو نجاح إيران في إبقاء معدل التعويض قريباً من معدل الاستنزاف، بما يسمح لها بمواصلة إنتاج وإطلاق الصواريخ والمسيّرات لفترة أطول مما تفترضه حسابات الاستنزاف العسكري.

التقدير الاستراتيجي
يكشف التحقيق أن قياس القوة الإيرانية خلال الحرب بعدد الصواريخ والمسيّرات التي تُدمر أو تُطلق لا يقدم صورة مكتملة. فالمعادلة الحاسمة أصبحت معدل الاستنزاف مقابل معدل التعويض: كم تخسر إيران من مخزونها وقدرات إنتاجها، وكم تستطيع شبكاتها الخارجية أن تعيد إدخاله إلى دورة التصنيع والتشغيل؟
وإذا كانت البيانات التي جمعتها "رويترز" تعكس الحجم الفعلي للشبكة، فإن إيران بنت على مدى سنوات عمقاً لوجستياً موازياً لعمقها العسكري، صُمم للعمل تحت العقوبات وأصبح أكثر أهمية خلال الحرب. وهذا يفسر جزئياً قدرة منظومتها العسكرية على التكيف، لكنه لا يعني أن الشبكة قادرة بلا حدود على تعويض الخسائر؛ فالكشف عنها يفتح بدوره مجالاً أوسع لتعقب الكيانات والوسطاء ومسارات الشحن.
ومن المنظور الخليجي، فإن القضية ترتبط مباشرة بأمن دول مجلس التعاون، لأن قدرة إيران على إعادة إنتاج الصواريخ والمسيّرات تعني استمرار مصدر تهديد استُخدم خلال الحرب ضد أهداف في المنطقة. ولذلك لا يقتصر التعامل مع الخطر على اعتراض المقذوفات، بل يمتد إلى فهم شبكات التمويل والإمداد والتصنيع التي تسمح بإعادة إنتاج التهديد، مع حماية الأنظمة المالية والتجارية والموانئ الخليجية من استخدامها، بصورة مباشرة أو عبر أطراف وسيطة، ضمن سلاسل المشتريات العسكرية الإيرانية.

الخلاصة الاستراتيجية
تكشف شبكة "ودجا" أن خلف الصاروخ أو المسيّرة الإيرانية سلسلة إمداد عالمية أكثر تعقيداً من منصة الإطلاق أو المصنع الذي ينتجها. وإذا صح نطاق الشبكة الذي توصل إليه تحقيق "رويترز"، فإن جزءاً مهماً من قدرة إيران على مواصلة الحرب يعود إلى منظومة أُنشئت قبلها بسنوات للتحايل على العقوبات، ثم تحولت خلال المواجهة إلى أحد عناصر استدامة القوة العسكرية.
وعليه، فإن السؤال خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط عن حجم ما تبقى من الترسانة الإيرانية، وإنما عن قدرة طهران على تعويض ما تفقده، وسرعة تفكيك الشبكات التي تغذي عملية التعويض. وهنا تحديداً ستُقاس فاعلية الاستنزاف العسكري طويل الأمد.

يمثل هذا التقرير قراءة تحليلية أولية للقضية أعلاه، ويعكس اجتهادات فريق البحث استناداً إلى المعطيات المتاحة حتى لحظة إعداده.

متعلقات