الجنوبي يلتحق بالحرب: اضطرار أم اختيار؟
الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 09:35 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن "عدن سيتي" خاص
الاستعداد لإطلاق التعبئة الشعبية دفاعًا عن الجنوب ومشروعه السياسي
عدن - يبدو أن الحرب اليمنية تدخل مرحلة تعيد ترتيب مواقع القوى المناهضة للحوثيين، بعدما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الأحد، التعبئة الشعبية العامة دفاعاً عن الجنوب ومشروعه السياسي، في توقيت يتزامن مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية واسعة لاستعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون.
وأعلن المجلس الانتقالي، بعد اجتماع استثنائي موسع لهيئاته المركزية والمحلية في عدن، الاستعداد لتنظيم فعالية جماهيرية واسعة في عدن ومحافظات الجنوب في 14 أكتوبر، تحت عنوان التعبئة العامة للدفاع عن الجنوب. وربط المجلس خطوته بمواجهة التهديدات التي قال إنها تستهدف أمن الجنوب ومكاسبه، وفي مقدمتها الحوثيون والتنظيمات المسلحة والتدخلات الخارجية.
ولا يعني الإعلان، في حد ذاته، أن الانتقالي دخل العمليات العسكرية الحكومية بوصفه قوة تابعة لها. لكنه يأتي في لحظة تتجه فيها الجبهة المناهضة للحوثيين إلى تحرك عسكري أكبر، ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت تعبئة الانتقالي استجابة مباشرة للضغط العسكري الحوثي، أم جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للقوى الجنوبية والإقليمية.
وتوفر التطورات الميدانية في تعز تفسيراً مباشراً للتوقيت. فقد حقق الحوثيون خلال اليومين الماضيين تقدماً في مواقع مرتفعة قرب المدينة، وتمكنوا الأحد، من السيطرة على منطقة الصافية وقطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن، فيما بقيت مدينة تعز نفسها تحت سيطرة القوات الحكومية. ووصف باحث في «تشاتام هاوس» التقدم بأنه حقق للحوثيين هدفاً عسكرياً يتمثل في عزل تعز عن عدن، حتى من دون السيطرة على المدينة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود تعز، لأن الطريق الذي يربط المدينة بعدن يمثل أحد آخر خطوط الإمداد البرية للقوات الموالية للحكومة. كما أن السيطرة على المرتفعات الغربية والجنوبية المحيطة بتعز تمنح الحوثيين مواقع أفضل للضغط على الساحل الغربي وممر باب المندب.
وكانت تعز قد شهدت خلال الأيام الأخيرة تصعيداً واسعاً، إذ أعلنت القوات الحكومية تنفيذ عشرات الغارات ضد مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية. وقالت السلطات اليمنية إن الطائرات نفذت 20 ضربة في غضون ثلاث ساعات في محافظة تعز، في واحد من أشد مستويات التصعيد منذ الهدوء الذي أعقب هدنة 2022.
وتتحرك جبهة تعز بالتالي في اتجاهين متعاكسين: الحوثيون يحاولون قطع الطريق نحو عدن وتطويق المدينة، فيما تستعد الحكومة والقوى المتحالفة معها لشن هجوم مضاد واستعادة زمام المبادرة.
في هذه البيئة، تبدو خطوة الانتقالي أقرب إلى استجابة لضغط جغرافي وعسكري مباشر. فالجنوب الذي يسيطر الانتقالي على مناطق واسعة منه يصبح أكثر تعرضاً للضغط إذا تمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم في تعز ولحج والوصول إلى طرق الإمداد المؤدية إلى عدن.
هل تتحول التعبئة الجنوبية إلى مشاركة عسكرية فعلية ومنظمة في الهجوم الحكومي، أم تظل ورقة ضغط سياسية وعسكرية لحماية الجنوب؟
والانتقالي يعرف من تجربة السنوات الماضية أن تغير خطوط التماس في تعز والساحل الغربي قد لا يبقى محصوراً في شمال اليمن. لذلك فإن رفع التعبئة قد يكون محاولة لتثبيت جاهزية الجنوب ومنع أي فراغ يمكن أن تستفيد منه القوات الحوثية.
لكن للخطوة بعداً سياسياً أيضاً. فالانتقالي لا يتحرك فقط تحت عنوان مواجهة الحوثيين، وإنما يكرر في بيانه الدفاع عن «مشروعه الوطني» وحماية ما يعتبره مكاسب جنوبية. وهذا يعني أن مشاركته في أي تصعيد مقبل لن تكون منفصلة تماماً عن حساباته بشأن مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية بعد الحرب.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: الحاجة إلى توحيد الجبهة ضد الحوثيين قد تدفع الانتقالي إلى الاقتراب أكثر من العمليات العسكرية الحكومية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع مشروعه السياسي الخاص.
ويأتي إعلان الانتقالي أيضاً بعد مؤشرات على محاولة سعودية لإعادة ترتيب العلاقات مع الإمارات بشأن الملف اليمني. فقد عقد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لقاءً في الرياض مع نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد في 29 سبتمبر، في أول زيارة رفيعة المستوى منذ الخلاف الذي تصاعد بين البلدين بسبب اليمن في وقت سابق من العام. وأكد الجانبان مناقشة العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بينما ربطت تحليلات التطور بمحاولة استعادة قدر من التنسيق في مواجهة تمدد الحوثيين.
ويكتسب الأمر أهمية لأن قوات جنوبية بارزة، وبينها ألوية العمالقة، ترتبط تاريخياً بالتدريب والدعم الإماراتي، في حين تتحرك السعودية حالياً لدعم الحكومة اليمنية وإعادة تنظيم قواها العسكرية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الرياض تحتاج إلى تعاون أوسع مع أبوظبي للتعامل مع القوى الجنوبية واستعادة قدر أكبر من التماسك في المعسكر المناهض للحوثيين.
لكن لا يوجد، حتى الآن، ما يثبت أن إعلان التعبئة من الانتقالي صدر نتيجة تفاهم سعودي إماراتي مباشر، ولذلك تبقى هذه الفرضية في حدود القراءة السياسية للتوقيت، لا المعلومة المؤكدة.
وفي الوقت ذاته، أعلن العليمي الأحد بدء عمليات عسكرية «شاملة» لاستعادة ما تبقى من الأراضي الخاضعة للحوثيين، وقال إن القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية ستبدأ تنفيذ خططها المعتمدة لبسط سلطة الدولة على كامل البلاد. وجاء الإعلان بعد أيام من تحضيرات سعودية لهجوم تقوده القوات اليمنية على المناطق الساحلية وباب المندب، مع دعم جوي سعودي واستخباري أميركي.
ويعني تزامن الإعلانين أن الجبهة المناهضة للحوثيين قد تكون أمام مرحلة أكثر تنسيقاً، على الأقل من الناحية العسكرية، بعد أسابيع من التراجع أمام الهجوم الحوثي على الساحل الغربي.
لكن المشكلة التي قد تواجهها هذه الجبهة هي نفسها التي أضعفتها طوال سنوات: تعدد مراكز القرار والأهداف السياسية. فالحكومة تريد استعادة الأراضي تحت سلطة الدولة، بينما يتمسك الانتقالي بمشروعه الجنوبي، وتتحرك قوات محلية مختلفة بأولويات متباينة.
ويمنح باب المندب التصعيد أهمية إضافية. فقد تمكن الحوثيون خلال هجومهم الساحلي الأخير من توسيع نفوذهم على ساحل البحر الأحمر والوصول إلى مناطق استراتيجية حول المضيق، في تطور رفع قيمة المعركة بالنسبة إلى السعودية وحلفائها، خصوصاً بعدما أصبح المضيق أكثر أهمية كمسار بديل في ظل أزمة هرمز. وتقول رويترز إن استعادة السيطرة على الساحل وباب المندب تقع في صلب الخطط السعودية الحالية.
وبذلك لا يعود تقدم الحوثيين في تعز مجرد مكسب ميداني محلي. فإذا نجحوا في قطع الطرق المؤدية إلى عدن وتعزيز وجودهم في المرتفعات المطلة على الساحل، يصبح أي هجوم حكومي على باب المندب أكثر صعوبة، بينما تتراجع قدرة الخصوم على المناورة بين تعز والساحل والجنوب.
في المحصلة، يصعب فصل تعبئة الانتقالي عن التطورات العسكرية المتسارعة. فهناك سبب ميداني واضح يتمثل في ضغط الحوثيين على تعز والطريق نحو عدن، وهناك سبب سياسي يتمثل في حاجة القوى المناهضة للحوثيين إلى إعادة ترتيب صفوفها في مواجهة هجوم واسع أعلنته الحكومة.
لكن الانتقالي لا يدخل هذه المرحلة خالي اليدين أو بلا حسابات. فهو يريد الدفاع عن مناطقه ونفوذه، وفي الوقت نفسه حماية مشروعه السياسي من أن يحدد مستقبل اليمن في غيابه. لذلك قد يكون انخراطه في المواجهة اضطراراً أمام تمدد الحوثيين واختياراً للحفاظ على موقعه في ترتيبات اليوم التالي للحرب.
وهنا تتحدد أهمية الأيام المقبلة: هل تتحول التعبئة الجنوبية إلى مشاركة عسكرية فعلية ومنظمة في الهجوم الحكومي، أم تظل ورقة ضغط سياسية وعسكرية لحماية الجنوب؟ وهل تستطيع الرياض وأبوظبي استثمار التقارب الأخير في توحيد القوى المناهضة للحوثيين؟ أم أن التباينات داخل هذا المعسكر ستبقى عائقاً أمام تحويل الهجوم المعلن إلى تغيير حقيقي في خريطة السيطرة؟
الاختبار، في النهاية، لن يكون في حجم التعبئة وحده، بل في قدرة الجبهة المناهضة للحوثيين على تحويل تعدد قواتها إلى قوة منسقة، قبل أن يحول الحوثيون مكاسب تعز والساحل إلى واقع يصعب عكسه.