موقع المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقضية الجنوبية من التقارب السعودي الإماراتي ولقاء الشيخ منصور بن زايد والأمير خالد بن سلمان

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 08:28 م بتوقيت العاصمة عدن

" عدن سيتي " د. فؤاد علي ناصر الحاج : متابعات





لم تكن زيارة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس ديوان الرئاسة، إلى الرياض في 29 سبتمبر 2026، مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بالنظر إلى توقيتها، ومستوى الشخصيات التي التقاها، والسياق السياسي والأمني الذي جاءت فيه.

فالزيارة جاءت بعد أشهر من التوتر السعودي الإماراتي الذي كان الملف اليمني، وبصورة خاصة تطورات الجنوب العربي، أحد أبرز محاوره، وفي وقت تواجه فيه المملكة العربية السعودية ضغوطًا أمنية متزايدة نتيجة تصعيد الحوثيين، بينما ظهرت مؤشرات متزامنة على إعادة فتح قنوات التنسيق بين الرياض وأبوظبي.

ومن هنا برز سؤال يتجاوز العلاقات الثنائية بين الدولتين:
أين يقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقضية الجنوبية من هذا التقارب؟ وهل يمثل التقارب السعودي الإماراتي إعادة الاعتبار للدور الجنوبي، أم أنه مجرد إعادة ترتيب للعلاقة بين الرياض وأبوظبي دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولًا في الموقف السعودي من القضية الجنوبية؟

وللإجابة عن ذلك، سنضع أمامنا مجموعة من المستويات: ما صدر رسميًا، وما قالته الصحافة الدولية والخارجية، وما طرحه الإعلام والكتاب والسياسيون من داخل المشهد الجنوبي، ثم نقارن هذه التوقعات بما حملته القمة فعليًا.

#المحور_الأول: القمة وأهدافها وبروتوكول اللقاء وما صدر عنها
بدأت الخطوة رسميًا بدعوة وجهها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى الشيخ منصور بن زايد لزيارة المملكة يوم الثلاثاء 29 سبتمبر.

واللافت هنا أن الدعوة لم تكن بين وزيرَي دفاع متقابلين؛ فالضيف الإماراتي ليس وزير الدفاع الإماراتي، وإنما نائب رئيس الدولة ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس ديوان الرئاسة، وهو موقع سياسي وأمني رفيع.

وصل الشيخ منصور إلى الرياض وكان في استقباله الأمير خالد بن سلمان، ثم ارتفع مستوى اللقاء عندما التقى الشيخ منصور بولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحضور الأمير خالد بن سلمان.

وصدر عن الجانب الإماراتي أن اللقاءات تناولت "العلاقات الأخوية" بين البلدين وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، إلى جانب التطورات الإقليمية. كما أن الوفد الإماراتي المرافق لم يكن وفدًا اقتصاديًا أو بروتوكوليًا صرفًا؛ فقد ضم أمين عام المجلس الأعلى للأمن الوطني، ورئيس الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، وأمين عام مجلس التوازن، وعددًا من كبار المسؤولين. وهذه التركيبة تجعل من الصعب قراءة الزيارة باعتبارها مناسبة بروتوكولية عادية.

وعليه يمكن القول إن الثابت حتى الآن هو عودة الاتصال السياسي الرفيع بين الرياض وأبوظبي. أما ما لم يصدر رسميًا فهو الأهم بالنسبة لملفنا: لم يعلن الطرفان اتفاقًا بشأن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، ولم يعلنا عودة الرئيس عيدروس الزُبيدي - Aidroos Alzubidi ، ولم يعلنا رفع إجراءات أو أحكام بحقه، ولم يعلنا إعادة الوضع في الجنوب إلى ما كان عليه قبل أحداث ديسمبر.

#المحور_الثاني: ردود الفعل والتحليلات الخارجية
اللافت في التغطية الخارجية أن عددًا من وسائل الإعلام الدولية لم تتعامل مع الزيارة باعتبارها خلافًا خليجيًا داخليًا منفصلًا عن اليمن، بل أعادت ربط التقارب مباشرة بالملف اليمني وبالخلاف حول الجنوب.

فقد ربطت وكالة "#رويترز" قبل الزيارة الدعوة السعودية للشيخ منصور بالتوتر الذي نشأ بين الرياض وأبوظبي بسبب اليمن، وأشارت إلى انسحاب الإمارات من اليمن بعد اتهامات سعودية لها بدعم تحركات للقوى الجنوبية اعتبرتها الرياض تهديدًا لأمنها. وأوضحت الوكالة أن الخلاف كان مرتبطًا باليمن والقوى الجنوبية، وأن التقارب الجديد يجري في ظل ضغوط أمنية سعودية متصاعدة.

أما صحيفة "#فايننشال تايمز" فقد ذهبت خطوة أبعد في الربط بين المصالحة والجنوب، إذ رأت أن الرياض تسعى إلى التعاون الإماراتي في إدارة الفصائل الجنوبية اليمنية والحفاظ على تماسك المعسكر المناهض للحوثيين. وهنا يظهر أن الحديث لم يعد فقط عن "إصلاح العلاقة السعودية الإماراتية"، وإنما عن كيفية إدارة واقع سياسي وعسكري موجود على الأرض، وفي مقدمته القوى الجنوبية.

من جانبها، تناولت صحيفة "#الغارديان" المسألة من زاوية الضغوط العسكرية المتزايدة على السعودية، وربطت الحاجة إلى إعادة التعاون السعودي الإماراتي بتطورات الحرب في اليمن، وبالقوى التي دربتها أو دعمتها الإمارات في الجنوب، مما يضيف بعد موازين القوى الميدانية للتحليل السياسي.

كما ركزت التغطيات الإقليمية الدولية، ومنها "#الجزيرة"، على أن اللقاء يمثل محاولة لاحتواء الخلاف وإعادة التنسيق في الملفات الإقليمية وإدارة الملف اليمني. وفي سياق متصل، كان موقع "#The_Beiruter" قد ناقش احتمال أن تكون الرياض بصدد إعادة النظر في توازن القوى الجنوبية، مشيرًا إلى تقارير تناولت احتمال استعادة عيدروس الزُبيدي أو القوات المرتبطة بالمجلس دورًا في الجنوب.

#المحور_الثالث: ردود الفعل والتحليلات الداخلية
في الداخل الجنوبي ظهرت قراءة أكثر وضوحًا وأعلى سقفًا من القراءات الخارجية. ومن أبرز الأسماء التي برزت في هذا السياق: وحيد الطوالبة، ماجد الداعري، ماجد الشعيبي، والسفير قاسم عسكر جبران.
فقد ذهب الكاتب والصحفي #وحيد_الطوالبة في 29 سبتمبر إلى مستوى بالغ التفصيل، عندما تحدث عن إلغاء التهم بحق عيدروس الزُبيدي خلال 48 ساعة، وترتيبات عودته إلى عدن خلال أسبوع، وإعادة هيكلة المجلس بعد عودته. لكن هذه التفاصيل تبقى حتى الآن في خانة التوقعات السياسية غير المؤكدة من مصادر مستقلة.

أما المحلل #ماجد_الداعري فقد اعتبر أن الزُبيدي والقيادات الجنوبية سيعودون أقوى مما كانوا عليه، وربط ذلك بقناعة سعودية بعدم إمكانية الاستغناء عن الدور الإماراتي والحليف الجنوبي الموجود على الأرض، واضعًا معيارًا لمراقبة المشهد: إما عودة القيادة الجنوبية لقيادة المشهد، أو أن الاتفاق بين الرياض وأبوظبي لم يكتمل.

في حين تعامل الإعلام الجنوبي، ومنه صحيفة "#البعد_الرابع" وما طرحه الكاتب #ماجد_الشعيبي، مع التطورات باعتبار أن إعادة ترتيب العلاقة السعودية الإماراتية ستنعكس إيجابًا على موقع القوى الجنوبية وعلى طريقة إدارة ملف حضرموت والجنوب.

أما مقابلة #السفير_قاسم_عسكر_جبران، فقد فسرت التقارب باعتباره مراجعة سعودية لسياسات سابقة، مشيرة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى إعادة وضع المجلس الانتقالي تدريجيًا إلى ما كان عليه قبل أحداث ديسمبر، مع حديث عن شروط وإمكانية امتداد التوافقات إلى الانتقالي والجنوب.

#المحور_الرابع: ماذا تقول القمة عندما نضعها أمام تلك التوقعات؟
عند وضع التوقعات قبل القمة في مقابل ما ثبت بعدها، نجد ما يلي:

#أولًا: حدث التقارب السعودي الإماراتي بالفعل عبر لقاءات رفيعة المستوى في الرياض جمعت الشيخ منصور بن زايد بالأمير محمد بن سلمان والأمير خالد بن سلمان.

#ثانيًا: كان الملف اليمني والقوى الجنوبية حاضرين في خلفية التقارب وبدرجة واضحة في التحليلات الدولية المرافقة للحدث.

#ثالثًا: لم يظهر حتى الآن أي اتفاق معلن على إعادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى موقعه السابق، كما لم يُعلن رسميًا عن عودة عيدروس الزُبيدي إلى عدن.

#رابعًا: لا يوجد في البيانات الرسمية الصادرة عن القمة أي إشارات إلى اعتذارات رسمية أو مراجعات علنية.

#خامسًا: لا يمكن استخلاص أن التقارب الإقليمي يعني بالضرورة قبول الرياض بمشروع استعادة دولة الجنوب؛ فالتبادلات التنسيقية وتلافي المخاطر الأمنية شيء، والتطابق الكامل في رؤية مستقبل شكل الدولة شيء آخر.

#الاستنتاجات
بناءً على المعطيات الرسمية والخارجية والداخلية، يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:
التقارب السعودي الإماراتي أصبح واقعًا سياسيًا انتقل من مرحلة الرسائل الضمنية إلى مرحلة اللقاءات السياسية المباشرة.
الجنوب العربي حاضر في خلفية إعادة ترتيب العلاقة، كون الخلاف السابق كان مرتبطًا بالمشهد اليمني والجنوبي.
هناك فارق بين "إعادة الدور الإماراتي والتنسيق مع أبوظبي" وبين "القبول التلقائي بكل مطالب المجلس الانتقالي".
بعض التوقعات الجنوبية أصابت الاتجاه العام فيما يخص عودة التنسيق وحضور الجنوب، لكنها بالغت في رفع سقف التفاصيل الجرائية والمواعيد الزمنية.
القمة لم تحسم مستقبل المجلس الانتقالي رسميًا، لكنها أعادت فتح المجال أمام إعادة التفاوض حول موقعه وتوازنات المنطقة.
الأيام التالية للقمة ستكون هي المحك الحقيقي من خلال الإجراءات الميدانية والقرارات السياسية المترتبة عليها.

#الخلاصة
إن القمة السعودية الإماراتية لا تكفي وحدها للقول إن الرياض تبنت موقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، ولا تكفي كذلك للقول إن المجلس أصبح خارج الحسابات السعودية.
لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية: إن مرحلة التوتر التي كان الجنوب العربي أحد أبرز ميادينها بدأت تدخل مرحلة إعادة ترتيب، وإن موقع القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، سيكون أحد الاختبارات الحقيقية لمدى عمق هذا التقارب.
ومن هنا فإن القراءة الأكثر توازنًا في هذه اللحظة تلخص في أن القضية الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي دخلا من جديد مرحلة إعادة تموضع إقليمي، ستتحدد طبيعتها من خلال الخطوات التي ستلي القمة، لا من خلال القمة وحدها.

#مقدمة: دلالات التوقيت ومستوى التمثيل


بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

متعلقات