صدفة في مجرى نهر تكشف "كنزا من الحديد" يكفي لتجهيز جيش كامل
الإثنين - 21 سبتمبر 2026 - الساعة 10:30 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
نجح فريق دولي من علماء الآثار في كشف المستور عن أسرار كنز معدني استثنائي قادم من ظلمات التاريخ، يتألف من 500 قضيب حديدي عُثر عليها في قاع نهر الدانوب بالنمسا.
فقد أشارت الدراسات التحليلية المتخصصة إلى أن هذا المخزون الضخم فُقد جراء كارثة غرق سفينة تجارية قديمة قبل 2200 عام، وتحديدًا بين القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد. وتُصنف هذه المجموعة الأثرية النادرة باعتبارها أكبر اكتشاف جماعي للحديد القديم يخرج من أعماق المياه في القارة الأوروبية حتى يومنا هذا، حيث يبلغ وزنها الإجمالي نحو طن متري كامل، وهي كمية هائلة كانت تكفي في تلك العصور لتسليح جيش كامل من المحاربين بالسيوف أو تصنيع آلاف الأدوات المعدنية والمسامير الضخمة.
جاءت تفاصيل هذا الاكتشاف المثير الذي بدأ قبل سنوات حين كان عمال استخراج الحصى يعملون بالقرب من قرية دينهام النمساوية، حيث لاحظ العمال بروز قطع حديدية غريبة الشكل ذات أطراف مدببة وسارعوا بإبلاغ الهيئة العامة للآثار في النمسا.
وتكمن الميزة التاريخية الكبرى في هذا الصيد الأثري في نجاة هذه الكمية الثمينة من قبضة تجار الخردة ومصانع إعادة التدوير، مما أتاح للعلماء فرصة ذهبية لبدء رحلة بحثية مكثفة أثمرت عن نشر دراسة مرجعية في إحدى المجلات العلمية المرموقة، كاشفة عن أبعاد اقتصادية وصناعية غير مسبوقة كانت تتمتع بها المجتمعات القديمة في حوض نهر الدانوب، وفق موقع "لايف ساينس" العلمي.
تفاصيل الكنز الحديدي
هذا وأوضحت نتائج الفحوصات المعملية والقياسات الأثرية التي أجراها فريق البحث من جامعتي إنسبروك النمساوية وبلفور مونبيليار التكنولوجية الفرنسية أن القطع المستخرجة لم تكن أسلحة مصنعة أو منتجات نهائية جاهزة للاستعمال. بل كشفت الفحوصات أن القطع تمثل سبائك ونماذج وسيطة يطلق عليها الأثريون اسم القضبان المزدوجة التبدب، ويبلغ متوسط طول القضيب الكامل منها نحو 28 سنتيمترًا بينما يصل وزنه إلى نحو كيلوغرامين.
لوحة تجسد المعارك بين الفرنسيين والنمساويين خلال معركة فاغرام
ومثلت هذه السبائك الخام الخطوة الأساسية والأولى في سلسلة التوريد القديمة، حيث كان الحدادون يتولون عملية إعادة تسخينها وطرقها لتحويلها إلى سيوف حادة وأدوات قطع مختلفة تستخدم في الحروب والأعمال العمرانية.
وتسببت ظروف الاكتشاف التي تمت عبر آليات الحفر والتجريف النهرية في تدمير الطبقات الرسوبية والسياق الأثري الأصلي للموقع، مما حرم الباحثين من التوصل إلى إجابة جازمة وقاطعة حول كيفية وصول هذا الكنز إلى القاع.
لكن رغم أن الأوراق البحثية تضع احتمال إلقاء هذه الكمية في المياه لأغراض دينية أو طقوسية قديمة، إلا أن التفسير الأقرب للعقل والمدعوم بالدراسات الميدانية يستقر عند فرضيات حوادث الغرق والنقل النهري، إذ كانت المجاري المائية شريان الحياة الوحيد لنقل البضائع والأحمال الثقيلة قبل اختراع وسائل النقل الحديثة والسكك الحديدية بقرون طويلة.
هذا ورجحت التحليلات الدقيقة المعتمدة على النماذج المشابهة أن هذه السبائك صُنعت في مراكز إنتاج تقع أعلى مجرى النهر، ورُجح تصنيعها في إقليم بافاريا الألماني الذي يبعد نحو 200 كيلومتر عن موقع الاكتشاف الحالي. وتجري حاليًا عمليات تحليل العناصر الكيميائية الدقيقة لمعرفة مصدر الخام الأصلي وتحديد الموقع الجغرافي للسبائك القديمة بدقة متناهية.
فيما أكد الخبراء أن نقل طن كامل من المعادن في صفقة تجارية واحدة ويعكس طفرة هائلة في قدرات التعدين وسلسلة الإمداد خلال العصر الحديدي المتأخر، مما يعيد كتابة التاريخ الاقتصادي للشرق الأوروبي ويبرهن على وجود شبكات تجارة منظمة كانت تدير صفقات عسكرية وتجارية ضخمة عبر أنهار القارة.