الجنوب.. حين تتحدث الأرض عن قوتها..

الخميس - 10 سبتمبر 2026 - الساعة 12:10 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن " عدن سيتي " حسان الحسيني

الجنوب.. حين تتحدث الأرض عن قوتها

أنا جنوبي، وأكتب هذه الكلمات من واقع أعرفه وأعرف رجاله، لا من خلف المكاتب ولا من صفحات التقارير البعيدة عن الميدان.

وأقولها بوضوح: من لم يعش السنوات الماضية في الجنوب، قد لا يدرك حجم القوة التي بُنيت هنا، ولا حجم التضحيات التي قدمها رجال الجنوب حتى أصبح لدينا واقع عسكري وأمني مختلف عما كان عليه الحال في السابق.

نحن لا نتحدث عن قوات ظهرت بالأمس، ولا عن تشكيلات صنعتها الصدفة. نحن نتحدث عن رجال حملوا السلاح عندما كانت مدن الجنوب مهددة تحاصرها الاخطار ، لكنهم ووقفوا ببسالة وإقدام لانظير وسجلوا مآثرهم وتضحياتهم بثبات وارادة فولاذية نادرة أصعب الظروف والمواقف عندما كانت التنظيمات الإرهابية والحوثيون يشكلون خطرًا حقيقيًا على أرضنا وأهلنا.

ؤلئك الرجال صمدوا قاتلوا، بصمود وثبات نادر يعجز عنه الوصف تشحذهم الارادة القوة والعزيمة الراسخة واليقين بالنصر رجال يتناوبون البندقية " كلاشنكوف " في مواجة الدبابة والمدرعة والمدفعية وراجمة الصواريخ الكاتوشة وغيرها من السلحة الثقيلة وفتاكة والحديثة وجيش صنعاء الجرار والمنظم بمعية مليشيات الحوثي الارهابية المدعومة إيرانيا وغيرها فكان رجال وشباب الجنوب العربي لهم يترصدهم ويتحين به اللحظات للانقضاض عليهم والفتك بهم بالبندقية وعزائم الابطال ووقوة الارادات مقرونة بصلابتهم وثباتهم التي قهرت الالة والاليات الحربية واثبت المقاتلون الجنوبيين ان السلاح مهما كان متطورا وفتاكا بيد المقاتل ضعيف الارداة الاقدام لا يمكنه تحقيق الانتصار وعلى العكس من ذلك فالمقاتل الصلب الذي يمتلك الارادة والثبات والايمان بقضيته حتى وان كان سلاحه بسيط وشخصي ومتسلح بالايمان واليقين بالنصر فهنا يحدث الفارق وسيتصر بالارادة والعزيمة والفداء والاستعداد للتضحية سيكون النصر المؤزر حليفه لامحالة
 وهذا ما حدث فعلا في أرض المعركة  
وارتقى منهم الشهداء، وتعلموا من المعارك، وبنوا خبرة ميدانية لم تأتِ من فراغ.

ولهذا، عندما أرى اليوم من يتعامل مع القوات الجنوبية وكأنها مجرد تشكيلات يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها بقرار سياسي، أشعر أن هناك من لم يفهم الجنوب ورجاله الابطال أصلًا.

القوة التي تُبنى بالدم والسنوات والخبرة لا يمكن اختزالها في قرار إداري.

نحن نعرف ماذا كان يعني غياب القوة

نحن في الجنوب نتذكر جيدًا كيف كانت الأوضاع قبل أن تتشكل هذه القوات.

نتذكر الخوف، والفوضى، وانتشار الجماعات المسلحة، والعمليات الإرهابية، والتهديد الذي كان يقترب من مدننا ومناطقنا.

ونتذكر أيضًا كيف تغير المشهد عندما أصبح للجنوبيين قوة على الأرض تعرف ماذا تريد، وتعرف الأرض التي تقاتل عليها، وتعرف أهلها، وتعرف خصومها.

وهنا لا يمكنني، كجنوبي، أن أتجاهل الدور الذي لعبه عيدروس الزبيدي في هذه المرحلة.
فقد استطاع ان يحقق أهم انجاز تاريخي للجنوب خلال اربعين عاما ونيف والمتمثل انشاء وبناء القوات المسلحة والامنية الجنوبية وبدعم سخيا وتوجيه حكيم من الحلف المخلص والوفي شعب وحكومة وقيادة الامارات العربية المتحدة 
وقواتها المسلحة التي سجلت اروع وانصع لوحات التلاحم والعاضد العربي جنبا الى جنب 
القوات والمقاومة الجنوبية في جل المعارك والجبهات مضافة الية تزويد القوات والمقاومة الجنوبية بالسلاح النوعي والحديث والمدرعات والاليات والذخائر والغذاء وكل شي مما يحتاجه المقاتلون ناهيك عن الاسناد الجوي من الطيران الحربي الإمارتي وكم تغنى وهتف شباب وأطفال ونساء الجنوب للرائدة مريم المنصوري والرائدة أمل وغيرهما التي نالت شهرة ومحبة في أفئدة شعب الجنوب العربي وما تزال وستبقى رمزا خالدا من رموز النصر الظافر كما هو الحال لقيادة وشعب وجيش الامارات العربية الشقيقة
ارتقت كوكبة كبيرة شهداء من خيرة رجال القوات المسلحة الاماراتية الشقيقة رحمة الله وغفرانه 
تتغشاهم

قد يختلف البعض مع القائد الشجاع عيدروس الزبيدي سياسيًا، وقد يختلفون مع المجلس الانتقالي في بعض المواقف، وهذا طبيعي في السياسة، لكن من الظلم أن ننكر أن مرحلة الزبيدي ارتبطت ببناء حضور جنوبي سياسي وعسكري أصبح لاعبًا أساسيًا في المعادلة.

لقد أصبح للجنوب صوتا مجلجلا ، وأصبح له رجال على الأرض، وأصبح من الصعب أن يتحدث الآخرون عن مستقبل الجنوب وكأن أبناءه غير موجودين.

وهذه بحد ذاتها تحولات كبيرة لا يمكن إنكارها.

الإمارات فهمت الجنوب قبل كثيرين

وأنا كجنوبي لا أجد حرجًا في القول إن الإمارات كانت من أوائل من فهموا طبيعة المعركة وموقع الجنوب في هذه المعادلة.

لقد فهمت أبوظبي أن الحرب ليست مجرد معركة بين الحوثي والشرعية، وأن الجغرافيا ستفرض نفسها مهما حاول البعض تجاهلها.

فهذا الجنوب الذي ننتمي إليه يمتد على بحر العرب وخليج عدن، ويقف بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب.

وهنا كانت الرؤية الإماراتية مختلفة.

لم تنظر فقط إلى من يسيطر على مدينة أو مديرية، بل نظرت إلى الساحل والموانئ والممرات البحرية، وإلى ضرورة وجود قوات محلية تعرف الأرض وتحميها.

ومن هنا جاء الدعم والتدريب والتأهيل الذي حصلت عليه القوات الجنوبية، والذي ساعد على تحويل كثير من الرجال الذين كانوا يقاتلون بإمكانات محدودة إلى قوات أكثر تنظيمًا وقدرة.

ونحن رأينا ذلك بأعيننا.

رأينا الرجال الذين تدربوا، ورأينا كيف تغير مستوى الأداء، ورأينا كيف أصبح للقوات الجنوبية حضور حقيقي في مواجهة الحوثيين والإرهاب.

الإمارات لم تكن تنتظر حتى تتضح الصورة؛ كانت تقرأ المشهد من موقعه الجغرافي والاستراتيجي.

وهذه نقطة لا ينبغي أن ننساها.

الجنوب ليس طرفًا هامشيًا

أحيانًا أشعر أن بعض السياسيين ما زالوا ينظرون إلى الجنوب باعتباره مجرد مساحة جغرافية يمكن تجاوزها في أي تسوية.

لكننا نحن أبناء الجنوب نعرف أن الأمر ليس كذلك.

الجنوب هو أرض تمتد على واحد من أهم المواقع البحرية في المنطقة.

باب المندب ليس مجرد اسم على الخريطة.

ومن يعرف أهمية البحر الأحمر وخليج عدن يعرف أن الجنوب يمثل عمقًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.

ولهذا، فإن بناء قوات جنوبية قادرة على حماية الأرض والساحل لم يكن قضية جنوبية محضة، بل كان جزءًا من معادلة أمنية أكبر.

ثم بدأ الخطأ

المشكلة، من وجهة نظري، بدأت عندما جرى التعامل مع القوة الجنوبية باعتبارها مشكلة سياسية بدل النظر إليها باعتبارها واقعًا عسكريًا تشكل خلال سنوات.

يمكنك أن تختلف مع المجلس الانتقالي.

يمكنك أن تختلف مع عيدروس الزبيدي.

يمكنك أن تناقش مستقبل الجنوب ومشروعه السياسي.

لكن هل يكون الحل بتفكيك قوة عسكرية اكتسبت خبرتها من المعارك؟

هنا يجب أن نتوقف.

لأن الجيوش لا تُبنى بالشعارات، والخبرة العسكرية لا تُخلق بين ليلة وضحاها.

وعندما تفكك قوة موجودة على الأرض قبل أن تخلق قوة أخرى قادرة على القيام بالدور نفسه، فأنت لا تحل المشكلة؛ أنت تفتح بابًا للفراغ.

والفراغ العسكري في اليمن لا يبقى فراغًا طويلًا.

هناك دائمًا من ينتظر لملئه.

انظروا إلى المشهد اليوم

اليوم، ونحن نرى حالة الارتباك والهشاشة في المشهد العسكري للقوى المحسوبة على الشرعية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

أين ذهبت سنوات الخبرة التي راكمتها القوات الجنوبية؟

أين ذهب الرجال الذين عرفوا الجبهات؟

وأين ذهبت القوة التي كانت تعرف الأرض وتعرف خطوط المواجهة؟

أنا لا أقول إن الجنوب كان قادرًا على حل كل مشاكل اليمن، ولا أقول إن وجود القوات الجنوبية كان سيمنع كل تطور عسكري.

لكنني أقول شيئًا أبسط من ذلك:

لو بقيت تلك القوة متماسكة، ولو بقي المجلس الانتقالي لاعبًا حاضرًا بقوته السياسية والعسكرية، ولو استمر الدعم والتأهيل الذي ساهمت الإمارات في بنائه، فمن الصعب أن نتخيل أن المشهد كان سيبدو بالارتباك نفسه الذي نراه اليوم.

هذه ليست نبوءة.

إنها قراءة لما رأيناه بأعيننا.

فالقوة التي قاتلت لسنوات، وعرفت الأرض، وامتلكت الخبرة والتنظيم، كان يمكن أن تكون عامل توازن مهمًا أمام أي تصعيد جديد.

نحن لا ننسى من وقف معنا

نحن الجنوبيين لا ننسى من وقف معنا في أصعب أيامنا.

قد تختلف الدول في مصالحها، وقد تتغير السياسات، وقد تتبدل الظروف، لكن ذاكرة الشعوب لا تُدار بالبيانات السياسية.

ونحن نتذكر الدعم الإماراتي للقوات الجنوبية، ونتذكر التدريب والتأهيل، ونتذكر المعارك التي خاضها رجالنا في ظروف لم تكن سهلة.

ونتذكر أن الإمارات كانت تنظر إلى أمن الجنوب وباب المندب باعتبارهما جزءًا من أمن المنطقة، وأنها تحركت مبكرًا في هذا الاتجاه.

ومن الإنصاف أن نقول إن كثيرًا مما يحدث اليوم كان يمكن قراءته منذ سنوات: من يملك الأرض ويملك القوة المنظمة هو من يستطيع أن يصنع التوازن عندما تتغير المعادلات.

الجنوب لم يكن عبئًا.. الجنوب كان قوة

لهذا، فإنني أرفض أن يُنظر إلى القوات الجنوبية باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه.

هذه القوات خرجت من رحم المعاناة الجنوبية.

رجالها من هذه الأرض.

قاتلوا من أجل مدنهم ومناطقهم.

وسقط منهم الشهداء.

وبنوا خلال سنوات خبرة عسكرية لا يمكن محوها بقرار سياسي.

نحن لا نقول إن الجنوب فوق النقد، ولا نقول إن كل ما جرى كان مثاليًا.

لكننا نقول إن القوة الجنوبية أصبحت حقيقة على الأرض، وأن تجاهلها أو محاولة تفكيكها لا يجعلها غير موجودة.

بل قد يجعل المشهد أكثر هشاشة.

وفي النهاية..

أنا جنوبي، وأعرف أن كلامي قد لا يعجب الجميع.

لكنني لا أكتب لإرضاء الجميع.

أكتب لأنني أؤمن أن علينا أن نتعلم من السنوات التي مرت، وأن نفهم لماذا نجحت بعض التجارب ولماذا فشلت أخرى.

لقد أثبتت السنوات أن الجنوب ليس هامشًا.

وأثبتت أن قواته ليست مجرد تشكيلات عابرة.

وأثبتت أن باب المندب ليس ملفًا محليًا.

وأثبتت كذلك أن بناء القوة يحتاج إلى سنوات، بينما تفكيكها قد يحتاج إلى قرار واحد.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نفكك القوة الجنوبية؟

بل:

كيف نحافظ على القوة التي أثبتت قدرتها، ونضعها في إطار يخدم أمن الجنوب ويحمي المنطقة ويواجه التهديد الحقيقي؟

فالعدو لا ينتظر خلافاتنا السياسية.

والحوثي لا ينتظر حتى ننتهي من إعادة ترتيب صفوفنا.

والبحر لا ينتظر حتى نتفق على الخرائط.

أما نحن، أبناء الجنوب، فقد تعلمنا درسًا قاسيًا:

الأرض التي لا تحميها قوة تعرفها، تصبح مطمعًا لمن لا يعرف قيمتها.

ولهذا سنظل نقولها:

الجنوب قوة.. والجنوب موقع.. والجنوب شريك في أمن المنطقة، وليس فراغًا يمكن لأحد أن يقرر مصيره من بعيد.

متعلقات