شباب الجنوب والقوى الجنوبية.. توحيد الصف لمواجهة المخاطر وحماية المستقبل

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 08:41 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات



يفرض الواقع السياسي والأمني والاقتصادي المتشابك في الجنوب مرحلة دقيقة تتعاظم فيها التحديات وتتسع معها الحاجة إلى توحيد الصفوف وتعزيز التنسيق بين مختلف القوى والمكونات الجنوبية، في وقت يبرز فيه شباب الجنوب باعتبارهم قوة مجتمعية فاعلة وعنصراً أساسياً في صناعة المستقبل. ومع اتساع الضغوط المعيشية وتراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، أصبحت شريحة الشباب أكثر عرضة لمحاولات الاستقطاب والتجنيد والزج بها في صراعات قد لا تتصل بمصالحها أو بمستقبل مجتمعاتها.

ويفرض هذا الواقع على القوى الجنوبية بمختلف توجهاتها تعزيز الاصطفاف والتنسيق، ووضع قضية الشباب في مقدمة الأولويات، باعتبار أن حماية الأجيال الشابة من الاستغلال السياسي والعسكري والاقتصادي تمثل جزءاً أساسياً من حماية المجتمع ومستقبله.

وتأتي الدعوات إلى توحيد القوى الجنوبية في ظل تطورات سياسية وميدانية متسارعة، إلى جانب تصاعد الأزمات الاقتصادية والخدمية، بما يجعل بناء موقف جنوبي أكثر تماسكاً ضرورة للتعامل مع المخاطر التي تواجه المجتمع، والحفاظ على قدرته على حماية مصالحه ومستقبل أبنائه.



ـ شباب الجنوب قوة المستقبل

يمثل الشباب النسبة الأكبر من المجتمع، ويشكلون قوة فاعلة في ميادين العمل والتعليم والنشاط المدني والسياسي، ولذلك فإن أي تطورات تمس مستقبل الجنوب تنعكس بصورة مباشرة على هذه الشريحة.

ولا تقتصر أهمية الشباب على كونهم شريحة عمرية واسعة، بل تتجاوز ذلك إلى دورهم في تشكيل الوعي المجتمعي والمشاركة السياسية والدفاع عن القضايا الوطنية والمساهمة في التنمية.

غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة تضع قطاعات واسعة من الشباب أمام خيارات محدودة، خصوصاً مع ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الدخل، وتخلق هذه الظروف بيئة يمكن أن تستغلها أطراف مختلفة لاستقطاب الشباب وتوجيههم نحو مسارات قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.

ومن هنا تبرز مسؤولية القوى الجنوبية في التعامل مع ملف الشباب باعتباره قضية وطنية ومجتمعية، وليس مجرد ملف أمني أو عسكري.



ـ الاستقطاب يهدد الشباب

يمثل استغلال حاجة الشباب إلى العمل والدخل أحد أبرز المخاطر التي تستدعي الانتباه، خصوصاً عندما تتحول الظروف الاقتصادية إلى وسيلة لجذب الشباب إلى عمليات تجنيد أو مواجهات عسكرية خارج مناطق ومحافظات الجنوب.

فالشاب الجنوبي الذي يبحث عن مصدر دخل لإعالة أسرته قد يجد نفسه أمام عروض يصعب رفضها في ظل البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وهو ما يجعل معالجة جذور المشكلة أكثر أهمية من الاكتفاء بإدانة نتائجها.

وتحتاج هذه القضية إلى موقف جنوبي موحد يرفض تحويل الظروف المعيشية للشباب إلى وسيلة للاستقطاب، ويطالب في الوقت ذاته بتوفير البدائل الاقتصادية وفرص العمل والتدريب والتأهيل.

ويمكن أن يسهم توفير فرص اقتصادية حقيقية للشباب في تقليل احتمالات استغلالهم، وتحويل طاقاتهم من أداة للصراع إلى قوة منتجة تسهم في بناء المجتمع وتعزيز استقراره.



ـ توحيد القوى لحماية الشباب

لا يمكن حماية الشباب من مخاطر الاستقطاب بمعزل عن وجود موقف سياسي ومجتمعي جنوبي متماسك، إذ تحتاج هذه القضية إلى تعاون مختلف القوى والمكونات والشخصيات الاجتماعية والسياسية.

ولا يعني توحيد القوى الجنوبية إلغاء التعدد أو فرض موقف سياسي واحد، وإنما يعني الاتفاق على القضايا التي تمثل مصلحة مشتركة، وفي مقدمتها حماية الشباب والحفاظ على أمن المجتمع ومنع استغلال الظروف الاقتصادية في الصراعات.

كما أن وجود موقف جنوبي موحد يمكن أن يعزز قدرة القوى المحلية على التعامل مع الملفات الأمنية والاجتماعية، ويحد من محاولات استخدام الخلافات الداخلية لإضعاف المجتمع أو تفكيك صفوفه.

وتحتاج المرحلة إلى الانتقال من مجرد الدعوات إلى الاصطفاف إلى بناء آليات عملية للتنسيق والحوار، بحيث تصبح حماية الشباب إحدى القضايا التي تجمع مختلف القوى والمكونات الجنوبية.



ـ البطالة بوابة الاستقطاب

تعد البطالة من أكثر العوامل التي تزيد هشاشة الشباب أمام الاستقطاب، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع فرص العمل.

ولا يمكن فصل ملف التجنيد عن الملف الاقتصادي، لأن معالجة المشكلة تبدأ من توفير البدائل التي تمنح الشباب القدرة على بناء مستقبلهم بعيداً عن الصراعات.

ويتطلب ذلك دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير برامج التدريب المهني، وتوسيع فرص التعليم والتأهيل، وتشجيع القطاع الخاص على استيعاب الشباب، إلى جانب توفير بيئة اقتصادية تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم.

ويمثل الاستثمار في الشباب استثماراً في مستقبل الجنوب، لأن المجتمعات التي توفر لأبنائها فرص التعليم والعمل والمشاركة تستطيع تقليل عوامل التوتر والاستقطاب وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.



ـ القوى الجنوبية أمام مسؤوليتها

تقع على عاتق القوى الجنوبية مسؤولية كبيرة في التعامل مع التحديات التي تواجه المجتمع، خصوصاً في ظل تعدد الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ويحتاج العمل السياسي الجنوبي إلى قدر أكبر من التنسيق، بحيث لا تتحول الخلافات بين القوى والمكونات إلى عامل يضعف المجتمع أو يفتح المجال أمام أطراف أخرى لاستغلال الانقسامات.

كما أن توحيد الموقف تجاه القضايا الأساسية يمكن أن يمنح القوى الجنوبية قدرة أكبر على حماية مصالح المجتمع والدفاع عن حقوقه، ويعزز قدرتها على التعامل مع التطورات السياسية والأمنية.

وتزداد أهمية هذا الدور عندما يتعلق الأمر بالشباب، لأن غياب الرؤية المشتركة بشأن مستقبلهم قد يتركهم أمام مسارات متعددة من الاستقطاب السياسي والعسكري والاجتماعي.



ـ المخاطر العسكرية تستهدف الشباب

تفرض التطورات العسكرية على خطوط التماس تحديات إضافية، خصوصاً عندما تتحول المواجهات إلى مصدر لاستقطاب الشباب أو دفعهم نحو المشاركة في صراعات خارج مناطقهم.

وتحتاج القوى الجنوبية إلى التعامل مع هذه المخاطر من خلال تعزيز التنسيق الأمني والسياسي، مع التركيز على حماية المجتمع وعدم تحويل الشباب إلى وقود للصراعات.

والحفاظ على الأمن والاستقرار يتطلب معالجة الأسباب، التي تجعل الشباب أكثر عرضة للانخراط في المواجهات، وفي مقدمتها البطالة والفقر وضعف الفرص الاقتصادية.

ومن هنا فإن الأمن لا يمكن أن يقوم على الإجراءات العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والتعليم والتأهيل والخدمات والمشاركة المجتمعية.


ـ الشباب طاقة بناء لا وقود صراع

لا ينبغي النظر إلى شباب الجنوب باعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى الحماية من الاستقطاب، بل باعتبارهم طرفاً أساسياً في صناعة المستقبل.

ويمتلك الشباب طاقات كبيرة في مجالات التعليم والإعلام والتكنولوجيا والعمل المدني والسياسي، ويمكن توظيف هذه الطاقات في بناء مؤسسات أكثر فاعلية وتعزيز التنمية ودعم الاستقرار.

وإشراك الشباب في صناعة القرار والحوار السياسي يمكن أن يمنحهم شعوراً أكبر بالمسؤولية والانتماء، ويحول دون ترك الساحة أمام قوى تستغل غيابهم عن مواقع التأثير.

وتحتاج القوى الجنوبية إلى فتح مساحات أوسع أمام الشباب للمشاركة في الحياة العامة، والاستماع إلى مطالبهم وتصوراتهم بشأن المستقبل، بدلاً من التعامل معهم فقط باعتبارهم قوة يمكن تعبئتها عند الأزمات.



ـ الأزمات المعيشية تعمق المخاطر

تأتي قضية الشباب في وقت يعاني فيه المواطنون من أزمات معيشية متراكمة، تشمل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات وأزمات المواد الأساسية، ومنها الغاز.

وتنعكس هذه الأوضاع بصورة أكبر على الشباب، خصوصاً الذين يبحثون عن فرص عمل أو يعيلون أسرهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

ولهذا فإن توحيد القوى الجنوبية ينبغي أن يرتبط أيضاً بموقف واضح تجاه تحسين الظروف الاقتصادية، وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة، وتوجيه عوائدها نحو الخدمات وخلق فرص العمل.

فلا يمكن حماية الشباب من الاستقطاب في الوقت الذي تستمر فيه الظروف الاقتصادية التي تجعلهم أكثر عرضة للضغوط والحاجة.



ـ من الاصطفاف إلى مشروع شبابي

يمكن أن يتحول توحيد القوى الجنوبية إلى مشروع أكثر تأثيراً إذا ارتبط ببرنامج واضح تجاه الشباب، يتضمن توفير فرص العمل والتدريب والتعليم، ودعم المبادرات الشبابية، وتشجيع المشاريع الصغيرة، وتعزيز المشاركة في الحياة العامة.

ويمكن للقوى الجنوبية والمجتمع المدني والنقابات والجامعات والقطاع الخاص أن تعمل بصورة مشتركة على وضع برامج تستهدف الشباب وتوفر لهم مسارات عملية للمشاركة في التنمية.

ويحتاج هذا التوجه إلى رؤية تتعامل مع الشباب باعتبارهم رأس مال بشرياً، وليس مجرد قوة سياسية أو عسكرية يمكن استخدامها في أوقات الأزمات.



ـ مسؤولية مشتركة عن المستقبل

إن حماية شباب الجنوب ليست مسؤولية طرف سياسي واحد، وإنما مسؤولية مشتركة بين القوى والمكونات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأسرة.

وتبدأ هذه المسؤولية من رفض استغلال الظروف الاقتصادية للشباب، مروراً بتوفير فرص العمل والتعليم والتأهيل، وصولاً إلى إشراكهم في صناعة القرار وتعزيز حضورهم في مؤسسات المجتمع.

ويمكن أن يوفر توحيد القوى الجنوبية مظلة سياسية ومجتمعية أوسع لحماية هذه الشريحة، إذا تحول إلى شراكة حقيقية تقوم على الحوار والتنسيق والاحترام المتبادل.

وفي ظل المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية المتزايدة، فإن مستقبل الجنوب يرتبط بدرجة كبيرة بقدرته على حماية شبابه والاستثمار في طاقاتهم. فالشباب الذين يمثلون اليوم قوة فاعلة في المجتمع سيكونون غداً القوة التي تتحمل مسؤولية بناء المؤسسات وإدارة الاقتصاد وحماية المجتمع وصناعة القرار.

ولذلك فإن توحيد القوى الجنوبية لا ينبغي أن يكون هدفاً سياسياً مجرداً، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحماية المجتمع وتعزيز استقراره، شرط أن يكون الشباب في قلب هذا المشروع، وأن تتحول الدعوات إلى الاصطفاف إلى برامج عملية تمنحهم فرصاً حقيقية في العمل والتعليم والمشاركة.

إن مواجهة المخاطر التي تحيط بالجنوب تبدأ من توحيد الجهود، لكنها لا تكتمل إلا بحماية الإنسان، وفي مقدمة ذلك شباب الجنوب، باعتبارهم الثروة الأهم والقوة، التي يتوقف عليها مستقبل المجتمع وقدرته على بناء مرحلة أكثر استقراراً وتماسكاً.






متعلقات