اخبار العاصمة عدن أنا الضالع...
السبت-25 يوليو - 12:32 ص-مدينة عدن

في الذكرى الثامنة لرحيل الجراح الإنسان الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي

الجمعة - 24 يوليو 2026 - الساعة 11:06 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن"عن سيتي" تقرير د .طارق مزيده







العظماء لا يتركون ثروات من المال… بل ثروةً من محبة الناس

تمر ثمانية أعوام على رحيل الجراح الإنسان الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي، ومع ذلك ما يزال اسمه حاضرًا في ذاكرة أبناء الضالع، كأن السنوات لم تمضِ، وكأن خطواته ما تزال تتردد في ممرات مستشفى النصر العام، وكأن صوته الهادئ ووجهه المطمئن لا يزالان يمنحان المرضى وأسرهم الأمل في أصعب اللحظات.
فالعظماء لا يُقاسون بما جمعوه من مال، ولا بما امتلكوه من عقارات ومناصب، بل بما تركوه في قلوب الناس من محبة، وما غرسوه في حياتهم من أثر، وما قدموه لوطنهم ومجتمعهم من علم وعطاء ومواقف نبيلة. والإنسان قد يرحل بجسده، لكن سيرته الطيبة تظل حية، تتناقلها الأجيال، وتبقى أعماله شاهدًا على حياة لم تُعش للذات، بل كُرست لخدمة الآخرين.
ومن بين القامات الطبية والإنسانية التي أنجبتها محافظة الضالع، يظل اسم الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي واحدًا من أكثر الأسماء إشراقًا وارتباطًا بوجدان الناس. لم يكن طبيبًا بارعًا فحسب، بل كان مدرسةً في الجراحة، وأستاذًا في فنونها، وإنسانًا نادرًا حمل في قلبه همّ المريض ووجع الوطن.
تدرب تحت إشرافه في مستشفى النصر العام عدد من خيرة الجراحين الذين خدموا الضالع، ونهلوا من علمه وخبرته وأخلاقه. لم يكن يكتفي بتعليمهم كيفية إجراء العمليات، بل كان يعلمهم أن الجراحة ليست مجرد مهارة في اليد، وإنما مسؤولية وأمانة وقرار قد تتوقف عليه حياة إنسان.
ولم يكن الدكتور الصميدي جراحًا في تخصص الجراحة العامة وحدها؛ فقد دفعه افتقار الضالع في تلك السنوات إلى كثير من التخصصات الجراحية إلى أن يوسع معارفه وخبراته، فأصبح ملمًا بجراحات النساء والتوليد، والمسالك البولية، وجراحة الأطفال، وغيرها من المجالات التي كانت الحاجة إليها ملحة. لم يكن ذلك بحثًا عن شهرة أو تميز، بل استجابةً لصرخة مريض لم يجد متخصصًا، ولحاجة مجتمع لم تكن أمامه خيارات كثيرة.
كانت مهارته نادرة، وخبرته واسعة، وحبه لعمله يتجاوز حدود التصور. وقد عاش قرابة ثلاثين عامًا جراحًا تحت الاستدعاء في كل وقت؛ في الليل والنهار، وفي الأعياد والمناسبات، وفي لحظات الراحة القليلة. كان يتم ايتدعائة في أي ساعة، فيترك بيته وأسرته وينطلق إلى مستشفى النصر العام، المستشفى المرجعي في الضالع، لإنقاذ حالة طارئة أو إجراء عملية لا تحتمل التأخير.
كان حضوره في المستشفى يمنح الطمأنينة؛ لأن الجميع كانوا يعلمون أن رجلًا خبيرًا ومخلصًا قد وصل، وأنه سيبذل كل ما في وسعه، دون تردد أو حساب للوقت أو الجهد. وقلما نجد جراحًا ظل طوال عقود بهذه الجاهزية الدائمة، يحمل مسؤولية الحالات الطارئة وكأن كل مريض هو فرد من أسرته.
ولم يكن حب الدكتور علي الصميدي للضالع مجرد كلمات، بل كان موقفًا ثابتًا ومسيرة حياة. أحب وطنه، وخدم أبناءه، وتقاسم معهم آلامهم وأحلامهم. ولذلك لم يكن غريبًا أن تنتفض الضالع عندما سمعت بخبر اعتقاله من قوات الاحتلال في مطلع عام ٢٠٠١؛ فقد شعر الناس أن من اعتُقل لم يكن شخصًا عاديًا، بل طبيبهم، ومنقذ مرضاهم، والرجل الذي طرقوا بابه في ساعات الخوف فلم يخذلهم يومًا. انطلقت انتفاضة شعبية عارمة، ولم تهدأ إلا بعد إطلاق سراحه، في مشهد كشف مقدار المكانة التي احتلها في قلوب الناس.
لقد عاش الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي مخلصًا لمهنته، وفيًا لوطنه، متواضعًا رغم علمه، قريبًا من الناس رغم مكانته. جمع بين العلم والأخلاق والإنسانية، فلم تكن الماديات غايته، ولم يجعل من حاجة المرضى طريقًا إلى الثراء. ولو أراد المال لكان قادرًا على جمع ثروة كبيرة، لكنه اختار ثروةً أعظم وأبقى: دعاء المرضى، ومحبة الفقراء، ووفاء أهل الضالع.
لقد كان رمزًا للعطاء والإخلاص، ومن الصعب أن نجد شخصية طبية خدمت الضالع بالمدة والجهد والتضحية التي قدمها هذا الجراح الرائع على مدى ثلاثين عامًا. لم يكن عمله وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل كان رسالة حياة، حملها حتى آخر أيامه.
وفي الخامس من أغسطس عام 2018م، رحل الجراح الإنسان الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي إلى جوار ربه، بعد مسيرة حافلة بالعلم والعمل والرحمة. رحل الجسد، لكن الذكرى لم ترحل، وبقيت سيرته حية في وجدان أبناء الضالع والجنوب، شاهدةً على طبيب اختار خدمة الناس على راحته، واختار وطنه على كل المغريات، واختار أن يترك خلفه قلوبًا تحبه بدلًا من خزائن تمتلئ بالمال.
رحل الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي، لكن اسمه سيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، وكل من تعلم على يديه، وكل مريض أعاد إليه الأمل، وكل أسرة وقف إلى جانبها في لحظات الخوف والضعف.
سيبقى رمزًا للطبيب الذي جعل من مهنته رسالة، ومن العلم أمانة، ومن الإنسانية عنوانًا، ومن حب الوطن موقفًا لا يتغير.
رحم الله الجراح الإنسان الدكتور علي أحمد قاسم الصميدي رحمةً واسعة، وجزاه عن مرضاه وتلاميذه وأبناء وطنه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وعمل ورحمة في ميزان حسناته.

متعلقات