وقفة مع سينما النوار السوداوية
الخميس - 23 يوليو 2026 - الساعة 09:10 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
فيلم النوار «Film noir» يعني (الفيلم الأسود أو السوداوي أو المظلم)، مصطلح نقدي سينمائي يُستخدم لوسم أفلام الجريمة والدراما النفسية التي ظهرت في «هوليوود» إبان الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وكان الناقد الفرنسي «نينو فرانك» أول من أطلق هذا المصطلح باللغة الفرنسية عام 1946م على هذا النمط من الأفلام.
بدايةً؛ علينا أن ندرك أن أفلام «النوار» لا تقتصر سماتها على القصة المبنية على الجريمة فحسب، بل إنها تتأثر بأسلوب السرد من جهة المونتاج والإيقاع والتنقل بين عدة خطوط سردية، وبالتشويق والغموض، وأيضًا بزوايا التصوير وأحجام الكوادر، والإضاءة وأسلوب الحوار المراوغ، وبالطبع الأجواء القاتمة المحيطة بالفيلم ككل.
تجتمع مؤثرات درامية وسردية في هذه الأفلام فنجد أجواء الليل المقبض. المطر والرعد. النفوس المعقدة الغامضة.. الفتاة الفاتنة التي نعرف من البداية أنها تكذب. المخبر الفظ غير الحليق الخشن والقريب جدا من الأشرار الذين يحاربهم. الحانات والبارات وحياة الليل. أي أن هذه الأفلام تنتمي أكثر إلى خليط من السينما التعبيرية الألمانية والمدرسة الواقعية الشاعرية الفرنسية.
وكما أسلفنا امتدت حقبة أفلام «النوار» من بداية الأربعينيات حتى أواخر الخمسينيات، ولازمها أسلوب بصري خاص قائم على التصوير بالأبيض والرمادي والأسود، مع الإضاءة الخافتة دائمًا التي تعتمد على ضوء الشموع وإشعاعات النور البعيد، وهذه السمات تعود بجذورها إلى التصوير السينمائي المعتمد في أفلام الموجة التعبيرية الألمانية.
لا يغيب عن الانتباه أن الكثير من قصص أفلام «النوار» الأولى وأساليبها استمدت روحها من مدرسة قصص الجريمة المعروفة باسم «Hardboiled» أو القصص البوليسية الممتزجة بالعنف والجريمة والجنس، بأسلوب قاسٍ وصارم، والتي انتشرت خلال فترة الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة.
علينا أن ندرك أن السينما المصرية أيضًا صنعت بعض أفلام "النوار" مع أن هذا المصطلح الفرنسي ظهر أساساً في السينما الأمريكية للتعبير عن أفلام الجريمة، كما أسلفنا، وتحددت سماتها بالتشاؤم، والنفوس المعقدة والجريمة التي يعقبها هروب البطل وتخفيه. هكذا قدم صناع السينما في مصر أعمالاً تحمل ذات السمة الامريكية الفنية الخانقة والنفسية الداكنة.
وظهرت أفلام الخيانة والقتل، والمطاردات الليلية، والشخصيات التي تعيش في صراع مع ماضيها في مجتمع تحكمه القسوة والتسلط.
أبرز أفلام النوار المصرية: فيلم «اللص والكلاب» (1962)، للمخرج كمال الشيخ، وقصة نجيب محفوظ، وهو نموذج الفيلم السوداوي المصري؛ حيث يتناول قصة "سعيد مهران" الذي خرج من السجن ليجد نفسه في عالم مليء بالخيانة، في عالم الحارات والأزقة الإسكندرانية المظلمة، لتبدأ رحلة انتقامية ضبابية تحكمها القدرية والموت.
لكن فيلم «المنزل رقم 13» للمخرج كمال الشيخ (1952) من بطولة عماد حمدي وفاتن حمامة، والذي وتدور أحداثه في أجواء الجريمة والتشويق حول لغز قتل غامض، يعد من أوائل الأفلام التي تحاكي توليفات النوار في السينما المصرية.
وفيلم «السمان والخريف» (1967)، للمخرج حسام الدين مصطفى، الذي يعكس أجواء سينما النوار عبر تيمة العزلة النفسية، والتشاؤم، والصراع الداخلي لبطل مهزوم (عيسى الدباغ) يعيش أزمة ضمير وتخبط في ليل القاهرة البهيم.
ونجد كذلك أن فيلم «أمير الانتقام» (1950)، للمخرج هنري بركات، يحمل ملامح سينما النوار الكلاسيكية من تآمر وغدر، وتحول البطل إلى شخصية غامضة تحركها دوافع معقدة.
فيلم «نوارة» للمخرجة هالة خليل (2015)، يمكن اعتباره فيلم نوار، فهو درامي اجتماعي يميل للبؤس، بطولة منة شلبي وإخراج هالة خليل، ويرصد أجواء نفسية يمكن إدراجها ضمن الأفلام السوداوية القاسية للكادحات في المجتمع المصري.
ثم فيلم «الجريمة» (2022)، للمخرج شريف عرفة، الذي يعد من أبرز الأفلام الحديثة التي تقترب بوضوح من عالم النوار في سرديته النفسية المضطربة. وهناك أفلام أخرى انتجت في تواريخ متفاوتة.
وقد تحققت كل هذه الأركان الخمسة في فيلم لورا «Lura» على نحو بديع. فهناك امرأة قتيلة لا ندري من قتلها، وهناك صوت الراوي الذي يحكي القصة، وهناك محقق يبحث عن الحقيقة، وبذاك تتعدد وجهات النظر؛ كل واحد منهم يحكي ما حدث من وجهة نظره.
وعلى هذا الأساس قام المؤرخون السينمائيون والنقاد على حدٍ سواء بتعريف أسس «النوار» عبر إجراء مسح تاريخي؛ إذ إنه قبل رسوخ هذا المصطلح مع حلول فترة السبعينيات، كان يُطلق على أفلام «النوار» الكلاسيكية مصطلح ميلودراما «مزيج بين العاطفة والدراما».
على كل حال، يتضمن الفيلم الأسود عدة أنواع من القصص، وعادة ما يكون البطل الرئيسي فيه إمَّا محققًا خاصًا (The Big Sleep)، أو شرطيًا متخفيًا (The Big Heat)، أو ملاكمًا مسنًا (The Set-Up)، أو محتالاً سيئ الحظ (Night and the City)، أو مواطنًا مطيعًا للقانون يندس إلى عالم الإجرام (Gun Crazy)، أو ضحية لظروفه الاجتماعية. (D.O.A.)
ويُشار كثيرًا إلى هذه الأعمال الأكثر حداثة والمستخدمة لأجواء النوار باسم The new noir film «أفلام النوار الجديدة». كما ألهمت المعاني المجازية لفيلم «النوار» فن المحاكاة التهكمية منذ أواسط الأربعينيات.
هناك العديد من أفلام النوار في تاريخ السينما، من أشهرها فيلم Kiss Me Deadly الذي تم إنتاجه عام 1955، وفيلم They live By Night وأنتج عام 1948 بجانب أفلام أخرى مثل: The Big Sleep وThe Third Man، في حين يُعد فيلم «لمسة الشيطان» Touch of Evil هو آخر فيلم «نوار» بالشكل الكلاسيكي لهذه الأفلام.
نماذج من أفلام «النوار»
إنتاج عام 1944، وهو من إخراج النمساوي «بيلي وايلدر»، مقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم. وتدور أحداثه عن زوج يعمل كمندوب مبيعات وله زوجة ترغب في التخلص منه، لكنها تكشف وثيقة للتأمين على الحياة تفيد بأنه في حالة موته بطريقة بشعة تتضاعف قيمة الوثيقة.
2- فيلم The Big Sleep
إنتاج عام 1946، ومن إخراج «هوارد هوكس». فيلم يتناول شخصية المحقق «فيليب مولر»، وهي شخصية ظهرت في عدد من الروايات التي تحولت إلى أفلام بعد ذلك. الفيلم من بطولة «همفري بوجارت» الذي شارك في صناعة عدد كبير من أفلام «النوار»، ويُعد من أشهر نجومها.
3- فيلم Sunset Boulevard
إنتاج عام 1950، ومن إخراج «بيلي وايلدر». من أجمل أفلام «النوار»، على الرغم من الجدل المثار حول تصنيفه، إذ يعتبر بعض النقاد أنه ليس فيلم «نوار» حقيقي. الفيلم يتناول قصة كاتب سيناريو يتعرض لأزمة مالية كبيرة، إلا أن القدر يجعله يصل إلى قصر إحدى نجمات السينما الصامتة التي خسرت شهرتها مع انتشار الأفلام الناطقة، وهنا يكمن سر شعورها بالمرارة الشديدة، غير أن الكاتب يقرر مساعدتها بكتابة فيلم خصوصًا لها وتجمع بينهما علاقة عاطفية قوية قائمة على الاستغلال.
4- فيلم The Maltese Falcon
إنتاج عام 1941 ل«جون هيوستن»، وهو من بطولة نجم أفلام النوار «همفري بوغارت». يدور حول محقق بارع بدم بارد يبحث في خلفية ثلاثة مجرمين في سعيهم للحصول على تمثال ثمين.
صورة طابع بريدي أمريكي تذكاري للنجم الأمريكي همفري بوجارت – رويترز
إنتاج عام 1946 ل«هوارد هاوكس»، ومن بطولة «همفري بوغارت» و«لورين بيكول» تدو أحداثه حول محقق خاص تقوم عائلة ثرية بتعيينه لمعالجة موضوع شخص يقوم بابتزاز ابنة العائلة.
8- فيلم Gilda
إنتاج عام 1946 للمخرج «شارلز فيدور» وبطولة النجمة «ريتا هيوورث» تدور قصته حول مقامر يعمل في كازينو يكتشف أن حبيبته السابقة متزوجة من مدير الكازينو.
9- فيلم Out of the Past
إنتاج عام 1947 ل«جاك تورنيور»، تدور أحداثه حول جاسوس يهرب من ماضيه للعمل في بلدة صغيرة، لكن الماضي سيلحق به ليعيده من جديد لخطر وفساد المدينة.
10 – فيلم The Reckless Moment
إنتاج عام 1948 للمخرج الألماني الكبير «ماكس أوفولس»، يتناول قصة الأم التي تعمل المستحيل لحماية ابنتها من الاتهام بارتكاب جريمة قتل حينما اكتشفت جثة عشيق ابنتها المبتز!
11- فيلم In a Lonely Place
إنتاج عام 1950 للمخرج «نيكولاس راي» يتحدث عن أميركي كاتب سيناريو كان ناجحًا في الماضي، لكنه مثل العديد من الكتاب في مجاله، واجه قليلاً من الصعوبة ولم يكتب فيلمًا ناجحًا منذ مدة، يتم تكليفه بتحويل أكثر الكتب مبيعًا إلى فيلم ناجح، لكن تأخذ حياته منعطفًا منعكسًا عندما يتم استدعاؤه إلى مركز الشرطة للتحقيق معه كمشتبه به في مقتل امرأة شابة.
12- فيلم Pickup on South Street
إنتاج عام 1953 للمخرج «سامويل فولر»، تدور أحداثه حول نشال يسرق رسالة يتضح فيها أنها موجهة لعملاء العدو مما يجعله شخصيًا هدفًا لحلقة تجسس شيوعية.
13 – فيلم Touch of Evil
إنتاج عام 1958 للمخرج العظيم «أورسون ويلز» في قصة مليئة بالخبث والمؤامرات، وعن جريمة قتل واختطاف في ظل فساد الشرطة في مدينة مكسيكية.