لغز نفور البشر من أكل الحشرات.. 3 أسباب بينها الحمض النووي
الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 10:14 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
ربما يكون أكل الحشرات من السلوكيات المعتادة في بعض الدول، لكن هذه الفكرة ما زالت تثير الاشمئزاز لدى الغالبية العظمى من سكان العالم.
ورغم أن كثيرين قد يعتقدون أن هذا النفور يعود لأسباب ثقافية بحتة، فإن دراسة جديدة تشير إلى أن الأمر أعمق من ذلك، إذ يرتبط بعوامل متجذرة في النفس البشرية والبيئة والتاريخ، بل وربما في الحمض النووي للإنسان نفسه.
ومع تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي وتغير المناخ، بدأ العلماء ينظرون إلى الحشرات بوصفها مصدراً غذائياً مستداماً. حتى إن هيئات دولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، باتت تروج لها كأحد بدائل الغذاء المستقبلية.
لكن معظم المجتمعات الإنسانية ما زالت تنفر من سلوك أكل الحشرات الذي يُعرف باسم "entomophagy".
ولتقصي الأسباب، استعان باحثون من معهد علوم الأحياء التطورية في إسبانيا وجامعة بومبيو فابرا في مدينة برشلونة بدراسات الجينوم لتتبع تاريخ تناول البشر للحشرات عبر آلاف السنين.
فيما أظهرت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية "Science Advances"، أن تناول الحشرات كان نادراً في معظم مناطق أوروبا وآسيا الوسطى وشرق آسيا، بينما كان على الأرجح أكثر شيوعاً في المناطق الاستوائية وبين "إنسان نياندرتال".
كما بحث الفريق العلمي عن أي آثار لأكل الحشرات في 745 عينة من جير الأسنان من بين حفريات تخص الإنسان الأول في صورته الحديثة، علماً بأن بعض هذه العينات يعود تاريخها إلى أكثر من 33 ألف عام.
عوامل بيئية
وتوصلت الدراسة إلى أن الإنسان الحديث في شمال أوراسيا لم يكن يتناول الحشرات بشكل معتاد.
كذلك فحص الباحثون الجينات المرتبطة بهضم الكيتين، وهي المادة التي تشكل القشرة الخارجية للحشرات. فيما كشفت النتائج عن طفرات وراثية جعلت سكان تلك المنطقة أقل قدرة على هضم قشور الحشرات، واستمرت هذه السمات الوراثية لنحو 9 آلاف عام منذ بدايات الزراعة.
من جهته، قال الباحث بابلو ليبرادو، رئيس فريق الدراسة، لموقع "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية، إن "ندرة وجود الحشرات في وجبة البشر بمنطقة شمال أوراسيا تشير إلى أن غياب ظاهرة أكل الحشرات لا يعود فحسب إلى عوامل ثقافية حديثة، وإنما يرجع إلى تاريخ طويل يتعلق بعوامل البيئة وارتقاء وتطور البشر".
(تعبيرية من آيستوك)
إلى ذلك، درس العلماء الجينات المسؤولة عن تصنيع إنزيمات المعدة القادرة على هضم الحشرات لدى حفريات أشباه البشر التي تعود إلى عصور بعيدة، وتيقنوا من تزايد نشاط تلك الجينات المسؤولة عن تصنيع مادتي "الكيتوبياز والكتيناز الحمضي" القادرتين على هضم مادة الكيتين الحشرية.
(تعبيرية من آيستوك)
في حين رصدوا بالفعل اختلافات في مستويات الإنزيمات بين العينات القديمة والحديثة التي تم العثور عليها، كما لاحظوا تزايداً في الجينات لدى الحفريات التي عثر عليها قرب المناطق الاستوائية.
من جانبه، قال الباحث مانويل بينيرو، وهو أحد المشاركين في الدراسة، إنه "كان يتعين تناول كميات كبيرة من الحشرات من أجل تعويض السعرات الحرارية التي قد يستهلكها الإنسان الأول للبحث عنها في المقام الأول، وبالتالي توجد في المناطق الاستوائية كميات وفيرة من الحشرات، مثل الجراد والنمل الأبيض"، مضيفاً أن "هذا التنوع، فضلاً عن الكتلة الحيوية الكبيرة نسبياً لهذه الحشرات، قد يجعلها مصدراً وفيراً للغذاء على مدار العام".
وختم موضحاً أن"نتائج البحث تشير إلى أن نقص الحشرات في المناطق غير الاستوائية ربما يكون من العوامل الرئيسية في انحسار سلوكيات أكل الحشرات لدى سكان تلك المناطق، مما أدى، بالتبعية، إلى تراجع قدرة هؤلاء البشر على هضم قشورها".