الأحد-24 مايو - 06:57 م-مدينة عدن

الموناليزا ونفرتيتي ومنحوتات البارثينون.. صراع عابر للقرون بين الإعادة التاريخية والسيادة القانونية

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 05:30 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات

تتصدر مسألة إعادة الكنوز الثقافية إلى أوطانها الأصلية واجهة القضايا الأكثر إلحاحا وتعقيدا في السياسات الحالية للمتاحف العالمية الكبرى.

تُشير الوقائع القانونية إلى أن استعادة القطع الأثرية التي هُرّبت بطرائق غير شرعية تبدو عملية أسهل، خاصة عند توفر أدلة قاطعة على السرقة أو انتهاك المعاهدات الدولية. وتجسد ذلك مؤخرا في أواخر أبريل، حينما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن إعادة أكثر من 330 قطعة أثرية مسروقة إلى إيطاليا، وما يزيد عن 650 قطعة أخرى إلى الهند. وفي المقابل، تزداد المعاملات تعقيدا عندما يتعلق الأمر بقطع خرجت نتيجة اتفاقيات اعتُبرت "قانونية" وقت إبرامها؛ ما يتسبب في نزاعات قضائية ودبلوماسية تستمر لعقود أو قرون، ومن أبرزها ثلاث حالات دولية شهيرة.

مصر ضد ألمانيا (تمثال نفرتيتي النصفي)

يعود تاريخ نحت التمثال النصفي المصنوع من الحجر الجيري الملون للملكة نفرتيتي، زوجة الفرعون إخناتون، إلى نحو عام 1340 قبل الميلاد. وفي عام 1912، نجح عالم الآثار والمصريات الألماني لودفيج بورخاردت في اكتشاف هذا الأثر الثمين أثناء أعمال التنقيب في تل العمارنة (على بُعد حوالي 300 كيلومتر من القاهرة)، وهو موقع أطلال مدينة أخيتاتون المصرية القديمة.

جرت أعمال تلك البعثة الأثرية تحت رعاية "الجمعية الشرقية الألمانية" وبترخيص رسمي للتنقيب. ووفقا للقواعد التنظيمية المعمول بها في ذلك الزمن، كان يتوجب تقسيم جميع المكتشفات بالتساوي بين مصر وألمانيا تحت إشراف مصلحة الآثار المصرية، التي تمثلت مهمتها في منع خروج القطع الأكثر قيمة خارج البلاد.



ويُعتقد أن عالم المصريات بورخاردت عمد إلى تضليل المسؤول المصري عن عملية القسمة وتقليل أهمية تمثال نفرتيتي في كشوف الجرد؛ حيث قدّم صورة فوتوغرافية تظهر التمثال بمظهر عادي غير ملفت، ودوّن في التقرير أنه مصنوع من الجص وليس من الحجر الجيري الثمين، ليتم بناء على هذا التلاعب إدراج التمثال ضمن الحصة الممنوحة للجانب الألماني.

انتقلت ملكية التمثال النصفي في البداية إلى الألماني جيمس سيمون، الذي كان يمول ويرعى البعثة الأثرية، واحتفظ به في منزله حتى عام 1920 عندما قرر التبرع بمجموعته الأثرية الكاملة المستخرجة من تل العمارنة لصالح متاحف برلين. وفي عام 1924، عُرض تمثال نفرتيتي علنا في برلين لأول مرة، وهنا تفجر النزاع الرسمي؛ إذ طالب الجانب المصري باستعادته فورا معلنا وقوع تضليل أدى إلى استبعاد تحفة فنية لا يمكن تقييمها كاكتشاف عادي.

حاول جيمس سيمون نزع فتيل الأزمة واقترح تنظيم تبادل ثقافي بين البلدين، ووجه خطابا رسميا إلى وزير الثقافة البروسي -حيث كانت متاحف برلين تتبع قانونيا لدولة بروسيا الحرة- للمطالبة بإعادة التمثال إلى مصر، غير أن مساعيه قوبلت بالتجاهل التام. وفي عام 1933، وافقت الحكومة البروسية على تسليم القطعة الأثرية إلى الملك فؤاد الأول ملك مصر، إلا أن أدولف هتلر، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، تدخل شخصيا وعرقل إتمام الصفقة. تلاحقت الأحداث وحُفظ التمثال في عدة متاحف ألمانية مختلفة خلال القرن العشرين، حتى استقر به المطاف منذ عام 2009 ليعرض بشكل دائم في متحف "نويس" بالعاصمة برلين.

تجددت المساعي القانونية في عام 2011 حينما قاد عالم الآثار والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار المصرية، الدكتور زاهي حواس، تحركات مكثفة لاستعادة التمثال، غير أن المفاوضات تعثرت نتيجة أحداث الثورة في مصر. وفي عام 2024، عاد حواس لإطلاق عريضة دولية واسعة النطاق للمطالبة بالاستعادة، لكن الجانب الألماني مستمر في موقفه الرافض ولم يُبدِ أي نية للتنازل عن الأثر التاريخي.

اليونان ضد بريطانيا العظمى (رخام البارثينون)

يُمثلُ معبد البارثينون أحد أبرز معالم العمارة اليونانية القديمة، وهو معبد عريق يرتفع فوق الأكروبوليس الأثيني منذ تشييده في القرن الخامس قبل الميلاد. وشهد تغييرات كثيرة عبر الزمن بفعل الحروب والتقسيمات الإقليمية، حيث استُخدم ككنيسة مسيحية تارة، وكمسجد تارة أخرى. وفي عام 1687، وخلال الحرب العثمانية الكبرى، تعرض المعبد لانفجار هائل جراء تحويله آنذاك إلى مخزن للبارود؛ مما أسفر عن تدمير جزء كبير من سقفه وجدرانه وعديد من عناصره الزخرفية، ليتواصل بعد ذلك مسلسل تدمير البارثينون وتآكله.

وفي أوائل القرن التاسع عشر، إبان خضوع اليونان للحكم العثماني الذي استمر لما يقارب أربعة قرون، لفتت أطلال البارثينون انتباه السفير البريطاني في القسطنطينية وجامع التحف توماس بروس، المعروف باللورد إلجين. وبصفته خبيرا فنيا، أعرب اللورد عن رغبته في الحفاظ على هذا التراث القديم، وحصل على إذن رسمي من السلطان العثماني سليم الثالث لفحص البارثينون، وصنع قوالب له، وإزالة الأجزاء المهمة منه. وبناء على ذلك، قام اللورد بين عامي 1801 و1812 بشحن الزخارف (أجزاء من الواجهة) وشظايا التماثيل وعناصر معمارية أخرى من أثينا إلى بريطانيا العظمى، وضمت هذه الشحنات ما يقارب 200 صندوق من القطع الأثرية، والتي شكلت نصف الزخارف النحتية الباقية تقريبا.

جابهت تصرفات إلجين ردود فعل متباينة داخل بريطانيا، وكان الشاعر الشهير جورج غوردون بايرون من بين الذين اتهموه بالوحشية وتدمير الآثار. وكان الدبلوماسي يأمل في الإبقاء على منحوتات البارثينون ضمن مجموعته الخاصة، إلا أن تراكم الديون عليه دفعه لبيعها؛ فاشترى البرلمان البريطاني المجموعة عام 1816 مقابل 35 ألف جنيه إسترليني (وهو ما يعادل نصف نفقاته الشخصية على رحلته)، لتُنقل المنحوتات وتُعرض في المتحف البريطاني بلندن، حيث لا تزال معروضة هناك حتى اليوم.

نالت اليونان استقلالها عام 1830، وبدأت منذ ذلك الحين مساعيها الرسمية لاستعادة آثارها. واشتد هذا النزاع الدبلوماسي في ثمانينيات القرن الماضي بفضل الجهود المكثفة التي بذلتها وزيرة الثقافة اليونانية ميلينا ميركوري. وعلى مدار العقود الماضية، اتخذت أثينا خطوات دبلوماسية متكررة، وقدمت التماسات، وناشدت منظمة اليونسكو، وعقدت مفاوضات رفيعة المستوى. وتتويجا لهذه الجهود، افتُتح عام 2009 متحف الأكروبوليس الجديد في أثينا، والذي شُيّد بخصائص هندسية معينة خصيصا لاستيعاب عودة آثار "لندن" وعرضها في موطنها الأصلي.

يُعقّد حل هذه المعضلة قانون بريطاني صدر عام 1963، يمنع المتحف البريطاني قانونيا من التنازل عن معروضاته أو إعادتها. وفي السنوات الأخيرة، ناقش ممثلو البلدين إمكانية إعارة القطع الأثرية على المدى الطويل، لكنهما لم يتوصلا إلى اتفاق بعد. وفي ديسمبر من العام الماضي 2025، وصف رئيس مجلس أمناء المتحف البريطاني ووزير المالية البريطاني السابق، جورج أوزبورن، نزاع رخام البارثينون بأنه التحدي الأصعب الذي يواجه المتحف البريطاني منذ 200 عام.

إيطاليا ضد فرنسا (الموناليزا)

تُشيرُ النظرية الأكثر شيوعا، والتي يدعمها متحف اللوفر، إلى أن لوحة الموناليزا تُصوّر ليزا غيرارديني زوجة تاجر الحرير الفلورنسي فرانشيسكو ديل جيوكوندو. حيث بدأ الفنان العبقري ليوناردو دافنشي العمل على هذه اللوحة الشهيرة في فلورنسا حوالي عام 1503، وأتمّها على فترات متقطعة ممتدة على مدى عدة سنوات.

وفي عام 1516، وبدعوة رسمية من الملك الفرنسي فرانسيس الأول، انتقل دافنشي من فلورنسا للعيش في قصر "كلوس لوسيه" بالقرب من أمبواز في فرنسا، مستصحبا اللوحة معه. ووفقا لرواية متحف اللوفر، فإن الملك فرانسيس الأول اشترى الموناليزا عام 1518، بينما تُشير الموسوعة البريطانية إلى أن الشراء تم في عام 1519 عقب وفاة دافنشي؛ ولذلك أصبحت اللوحة منذ عام 1519 جزءا أصيلا من المجموعة الملكية الفرنسية، وبعد أحداث الثورة الفرنسية (1789-1799)، استقرت بشكل دائم في متحف اللوفر.

من الناحية القانونية الصرفة، لا تملك إيطاليا أي حق رسمي في استعادة هذه التحفة الفنية، ولا يوجد موقف حكومي رسمي يطالب بامتلاكها، ومع ذلك، ولأكثر من مئة عام، ما زال النشطاء الإيطاليون يأملون في إعادة الموناليزا إلى موطنها التاريخي.

وقد وقعت أول محاولة سرقة موثقة عام 1911 على يد فينتشنزو بيروجيا، وهو عامل إيطالي في متحف اللوفر؛ حيث نزع اللوحة من الحائط وهرب بها مخبأة تحت ملابسه، وادعى لاحقا أنه سرقها لأسباب وطنية، ظنا منه أن الفرنسيين استولوا عليها بشكل غير قانوني خلال الحروب النابليونية، واستمرت تحقيقات الشرطة عامين كاملين بينما كانت مخبأة طوال تلك الفترة داخل شقة بيروجيا.

وفي عام 1913، حاول بيروجيا بيع اللوحة لصاحب معرض فني في فلورنسا، فقام التاجر بإبلاغ الشرطة فورا، مما أدى إلى سجن بيروجيا وإعادة الموناليزا إلى متحف اللوفر. وتُعد هذه الحادثة تحديدا السبب الرئيسي وراء الشهرة العالمية الواسعة التي تحظى بها اللوحة اليوم بسبب التغطية الإعلامية المكثفة للمحاكمة.

وفي عام 2012، أطلقت اللجنة الوطنية الإيطالية للتراث التاريخي والثقافي بالتعاون مع مدينة فلورنسا، حملة لإعادة التحفة الفنية ولو بشكل مؤقت، وطلبت اللجنة رسميا لقاء وزيرة الثقافة الفرنسية آنذاك، أوريلي فيليبيتي، لكن الطلب رُفض. وفي عام 2014، دخل الممثل الأمريكي الشهير جورج كلوني على خط الأزمة متحدثا عن ضرورة إعادة اللوحة إلى إيطاليا.

أما على الصعيد القضائي الحديث، فقد رفضت أعلى محكمة إدارية في فرنسا عام 2024 دعوى قضائية رفعتها منظمة "الاستردادات الدولية"، والتي زعمت أنها تُمثل ورثة دافنشي وطالبت بإخراج الموناليزا من اللوفر. وفي العام الماضي 2025، تقدمت المستشارة الثقافية الإقليمية لمنطقة لومبارديا، فرانشيسكا كاروسو، بمقترح يقضي بوضع اللوحة مؤقتا في ميلانو الإيطالية لعرضها ريثما يتم الانتهاء من أعمال ترميم قاعتها في متحف اللوفر.

المصدر: تاس

متعلقات