حين تحوّل التدخل السعودي في الجنوب إلى "استعمارٍ جديد"
الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 01:56 م بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" توفيق جازوليت
ما يعيشه الجنوب اليوم في نظر كثير من الجنوبيين، نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ“الاستعمار الجديد”؛ استعمارٌ لا يرفع أعلامه فوق القصور، لكنه يفرض نفوذه على القرار والسياسة والاقتصاد، ويتحكم بمصير شعبٍ كامل عبر أدوات الهيمنة والارتهان والتجويع.
فمنذ سنوات، والسعودية تُمسك بمفاصل المشهد الجنوبي سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، لكنها، بدل أن تساعد على بناء دولة مستقرة أو تحسين حياة الناس، ساهمت في تكريس واقع الانهيار والفوضى والإفقار الممنهج. والنتيجة أن شعب الجنوب، الذي يعيش فوق واحدة من أغنى المناطق بالثروات والموانئ والمواقع الاستراتيجية، بات يعيش في واحدة من أقسى صور الفقر والإذلال الإنساني.
إن ما يثير غضب الجنوبيين ليس فقط حجم المعاناة، بل الشعور بأن هذه المعاناة لم تعد مجرد فشلٍ سياسي، بل أداة إخضاع مقصودة. فالكهرباء المنهارة، والعملة المنهكة، والرواتب المتآكلة، والخدمات الغائبة، ليست بالنسبة لكثيرين مجرد أزمات عشوائية، بل وسائل لإبقاء الجنوب ضعيفًا وعاجزًا عن امتلاك قراره السيادي.
لقد تحوّل الجنوب، في ظل هذا الواقع، إلى مساحة نفوذ تُدار وفق الحسابات السعودية، لا وفق مصالح الشعب الجنوبي. وأصبح القرار السياسي مرتهنًا، والاقتصاد خاضعًا، وحتى القوى المحلية بات كثيرٌ منها يتحرك ضمن سقفٍ مرسوم لا يُسمح بتجاوزه. وكل صوتٍ يرفض هذه الهيمنة أو ينتقدها يُواجَه بالتهميش أو التشويه أو الإقصاء، وكأن المطلوب من الجنوبيين أن يقبلوا الوصاية مقابل البقاء.
إن الاستعمار في شكله الحديث لم يعد بحاجة إلى جيوش تحتل الأرض مباشرة؛ يكفي أن تُصادر إرادة الشعوب، وأن يُربط اقتصادها بالخارج، وأن تُدار أزماتها بطريقة تمنعها من النهوض. وهذا بالضبط ما يرى كثير من أبناء الجنوب أن السعودية تمارسه اليوم: إبقاء الجنوب في حالة احتياج دائم، ومنع تشكل دولة قوية مستقلة تستطيع التحكم بثرواتها وموانئها وقرارها الوطني بعيدًا عن النفوذ الخارجي.
والأخطر من ذلك أن الجنوب لم يُعامل كشعبٍ له حق في تقرير مصيره، بل كملف أمني وجيوسياسي يجب ضبطه والتحكم به. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتراكم سنوات التدخل دون أن يرى المواطن الجنوبي أي انعكاس حقيقي على حياته، سوى المزيد من الفقر والانهيار والمهانة اليومية.
إن الشعوب قد تصبر على قسوة الظروف، لكنها لا تغفر لمن حوّل ثرواتها إلى لعنة، ولا لمن استخدم حاجتها أداةً للهيمنة، ولا لمن صادر حقها في الحياة الحرة الكريمة. وسيبقى السؤال الذي يطارده الجنوبيون قائمًا: كيف يمكن لأرضٍ تملك كل هذه الثروات أن يُترك شعبها غارقًا في الظلام والجوع والانهيار، إن لم يكن ذلك جزءًا من سياسةٍ تُبقي الجنوب ضعيفًا وتابعًا وخاضعًا لإرادة الخارج؟
توفيق جوزليت