جرائم الاغتيال والحرب لا تبرر جريمة أكبر كالانفصال!

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 11:07 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن "عدن سيتي" خاص



بعضُ السياسيين اليمنيين يسعون، بصورةٍ مباشرة أو مواربة، إلى تبرير النزعات الانفصالية بالاستناد إلى موجة الاغتيالات التي استهدفت كوادر الحزب الاشتراكي اليمني بين 1991 و1994، وإلى حرب 1994 وما تلاها. غير أن هذا التبرير ينطوي على مزيجٍ من التبسيط المخلّ والمناورة؛ إذ إن النزعة الانفصالية لم تكن وليدة تلك الأحداث، بل تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي وما قبلها، وقد واجهها آنذاك التيار التقدمي والقومي والليبرالي، ممثّلًا بشخصيات مثل عبد الله باذيب وقحطان الشعبي ومحمد أحمد نعمان وغيرهم. وقد تراجعت هذه النزعة خلال مرحلة الكفاح التحرري وما بعد الاستقلال، لكنها لم تختفِ تمامًا، بل ظلت كامنة في وعي بعض النخب السياسية، بما في ذلك شخصيات محسوبة على الحزب الاشتراكي، التي لم تكن اشتراكية بالمعنى الفكري، وإنما تأقلمت مع التحولات الثورية بعد الاستقلال، وظلت من داخل الحزب تعارض توجهاته الثورية الجذرية.

ومن السذاجة كذلك الافتراض أن الحماس الذي رافق إعلان الوحدة في 22 مايو 1990 كفيلٌ بتبديد التراكمات التاريخية العميقة، أو بتجاوز هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة، أو بمنع الانزلاق نحو الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. فالتوقيعات والاتفاقات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لردع دوامات الانتقام والاغتيال، لأن بناء الدولة في مجتمعٍ معقّد ومثقل بإرث الصراعات يتطلب أكثر من مجرد النوايا الحسنة.
إن نجاح أي مشروع وطني، مهما كان عظيمًا، مرهون بوجود قيادةٍ واعية تدرك تعقيدات المجتمع اليمني، وتؤمن بالمشروع إيمانًا عميقًا، وتمتلك القدرة على ترجمته إلى واقع. قيادة لا تخضع لمراكز النفوذ القبلية، ولا للإملاءات الخارجية ، ولا ترتد أمام الضغوط أو تنكسر تحت وطأة الاغتيالات والغدر.

ولو كانت الاغتيالات والصراعات الداخلية مبررًا كافيًا للتفكك، لكان الجنوب قد انهار وعاد إلى ما قبل 1967 عقب أحداث يونيو 1969 ، و يونيو 1978 ويناير 1986، ولكان الشمال قد تفكك بعد أحداث أغسطس 1968 أو اغتيال الحمدي في أكتوبر 1977. لكن ذلك لم يحدث، ولا ينبغي أن يحدث اليوم. فتمزيق اليمن بعد حرب 1994 لا يخدم إلا القوى المعادية لمصالح الشعب اليمني.
إن الوحدة اليمنية، رغم ما اعترضها من تحديات، تظل ذروة الإنجاز الوطني في التاريخ الحديث، والحفاظ عليها ضرورة تاريخية وسياسية. كما أن الدعوة إلى الانفصال تحت ذريعة “حق تقرير المصير” لا تستند إلى مبرر قانوني سليم في هذا السياق، وإلا لأفضت كل صراعات داخلية في العالم إلى تفكك الدول.

يجب محاسبة مرتكبي جرائم الاغتيالات والحروب والخيانة وإضعاف الدولة والتفريط بالمشاريع الوطنية، مع التأكيد على أن هذه الجرائم لا تبرر جريمة أكبر كتقسيم اليمن. ينبغي معالجة المشاكل القائمة بروح وطنية مسؤولة عبر الحوار بين اليمنيين من مختلف الاتجاهات السياسية، لصيانة الدولة اليمنية الموحدة وبنائها على أسس متينة.

المجد للشهيد ماجد مرشد ورفاقه، ولكل من طالتهم يد الغدر من مختلف القوى السياسية، والخلود لليمنٍ الديمقراطي الموحّد.
من ص سالم جعفرSalem Gafar

متعلقات