حين يصبح الفساد قاعدة: هل نعتاد الخطأ أم نواجهه؟

السبت - 21 مارس 2026 - الساعة 10:07 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" حيدرة الكازمي


خميس عبدالله القيره

في زمن تتكاثر فيه الكلمات حتى تفقد معناها تظل بعض العبارات قادرة على أن تخترقنا بهدوء ثم تستقر في أعماقنا كحقيقة لا يمكن تجاهلها ومن بين تلك العبارات تبرز جملة بدت ساخرة في ظاهرها لكنها في حقيقتها كانت أقرب إلى اعتراف مر بواقع مختل: لا تسرق فالحكومة تكره من ينافسها.
لم تكن تلك الكلمات مجرد سخرية عابرة بل كانت أشبه بمرآة تعكس اختلالًا عميقًا في منظومة يفترض أن تقوم على العدل فإذا بها تتآكل من الداخل ففي وطننا اليوم لا تُختصر المعاناة في الحرب ولا في ضيق المعيشة بل في شعور يومي ثقيل بأن الأشياء لا تسير كما ينبغي وأن الخلل لم يعد طارئًا بل أصبح نمطًا مستقرًا.
هنا لا يطلب الإنسان الكثير ولا يسعى إلى حياة مترفة ولا يطارد رفاهية بعيدة بل يبحث عن الحد الأدنى من الكرامة، خدمة تُقدم دون إذلال وفرصة تُمنح بعدل ونظام يشعره أن له مكانًا محفوظًا في هذا الوطن ولكن الواقع غالبًا ما يأتي عكس ذلك نجد مؤسسات تُدار بلا روح وقرارات تُتخذ بلا رؤية وفساد يتسلل في التفاصيل الصغيرة حتى يصبح هو القاعدة لا الاستثناء.
في مثل هذا المناخ تتبدل المعايير ويصبح الالتزام عبئًا والنزاهة مخاطرة، والعمل الصادق طريقًا مليئًا بالعقبات ومن يسلك الطريق المستقيم لا يُكافأ دائمًا، بل قد يجد نفسه وحيدًا محاطًا بعراقيل تُختبر بها قدرته على الصمود وكأن الرسالة غير المعلنة تقول “النجاة ليست للأفضل بل للأكثر تكيفًا مع الخطأ.”
وهنا تتجلى المأساة الحقيقية ليس فقط في وجود الفساد بل في اعتياده حين يفقد الناس دهشتهم من الخطأ ويصبح الحديث عنه أمرًا عاديًا وتبدأ أخطر مراحل الانحدار لأن المجتمعات لا تنهار حين تنتشر فيها الأخطاء فقط، بل حين تفقد قدرتها على رفضها
ومع ذلك ورغم هذا السواد الممتد تبقى هناك حقيقة لا يمكن طمسها وهو هذا الواقع.مهما طال ليس قدرًا نهائيًا فمثل وطننا بتاريخه وثقله الإنساني ليس أرضًا تُختصر في أزماته بل هو قصة صمود طويلة وشعب اعتاد أن ينهض من بين الانكسارات لا لأن الظروف كانت سهلة بل لأن الإرادة كانت أقوى.
التغيير لا يأتي دفعة واحدة ولا يولد من فراغ بل يبدأ من وعي يتشكل ومن رفض هادئ لكنه مستمر ومن أفراد يصرّون على أن يكونوا استثناءً في زمن التنازلات وقد يبدو هذا الطريق بطيئًا، لكنه الطريق الوحيد الذي لا يخذل أصحابه.
تلك العبارة التي بدت يومًا ساخرة لم تعد كذلك.بل أصبحت سؤالًا مفتوحًا يواجه كل من يقرأه هل نقبل أن نعتاد الخطأ؟ أم نمتلك الشجاعة لنرفضه، حتى وإن كنا وحدنا؟
في النهاية قد تُسرق الأموال وقد تُهدر الحقوق، وقد يطول الظلم ولكن هناك شيء واحد لا يمكن مصادرته وعي الإنسان حين يستيقظ وحين يستيقظ الوعي لا تعود المعادلة كما كانت ولا يبقى الواقع كما هو.
هناك فقط يبدأ التغيير الحقيقي.

متعلقات