الثلاثاء-03 مارس - 08:03 م-مدينة عدن

معركة أدميرال روسي ضد البحرية الفرنسية!

الثلاثاء - 03 مارس 2026 - الساعة 06:20 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي / متابعات



استسلمت الحامية الفرنسية في جزيرة كورفو، بالبحر الأيوني في الثالث من مارس عام 1799، حدث ذلك أمام أسطول روسي تركي مشترك بقيادة الأدميرال الروسي البارز فيودور أوشاكوف.


كان هذا الانتصار مذهلا إلى درجة أن الجنرال الروسي الشهير ألكسندر سوفوروف خاطب أوشاكوف برسالة مفعمة بالإعجاب قائلا: "لماذا لم أكن في كورفو، ولو بصفة ضابط بحري؟".

يعود سياق هذا الحدث إلى ما سبقه من أحداث، حيث كان الجيش الفرنسي يتقدم بسرعة ويقوم بإنزال قواته في مصر، ما دفع الدولة العثمانية إلى التوجه نحو روسيا طالبة يد العون. في ذلك الوقت، كان واضحا للعديد من دول المنطقة أن الإمبراطور الروسي وجيشه يشكلان القوة الوحيدة القادرة على كبح جماح زحف نابليون المتواصل.

جاءت حملة البحر الأبيض المتوسط التي قادها الأدميرال فيودور أوشاكوف في الفترة من 1798 إلى 1800 كنتيجة مباشرة لتشكيل تحالف دولي مناهض لفرنسا، ولم تكن هذه الحملة مجرد فصل عادي في سجلات المواجهة الروسية الفرنسية، بل شكلت دليلا ساطعا على قوة الأسطول الروسي وقدرته على تحقيق النجاح رغم الصعاب الجسام.

في تلك الحقبة، كانت كل من روسيا والدولة العثمانية تعتبران فرنسا خصما مشتركا، ما استدعى توحيد قواهما لمواجهة هذا العدو الذي كان يبتلع الأراضي بسرعة. شكلت انتصارات بونابرت في مصر وسيطرته على جزيرة مالطا تحديا خطيرا بالنسبة للروس والعثمانيين، وكان ذلك بمثابة الحافز الأكبر الذي عجّل في إبرام هذا التحالف غير المألوف. يضاف إلى ذلك فشل البريطانيين، الذين كانوا بدورهم يحاربون الفرنسيين، في اعتراض الأسطول الفرنسي في الوقت المناسب، ورغم أن السفن الحربية البريطانية تمكنت لاحقا من مهاجمة سفن النقل الفرنسية، إلا أن ذلك لم يغير من موازين القوى شيئا، ما جعل التدخل الروسي في تلك المرحلة أمرا حتميا وحاسما.


أثبتت الأسابيع الأولى من الحملة الروسية في المتوسط فعاليتها بشكل كبير، حيث تمكن نائب الأدميرال أوشاكوف من السيطرة على جميع الجزر الأيونية تقريبا خلال شهر ونصف فقط. كان هذا الهجوم عنيفا وسريعا فاجأ الفرنسيين، ما اضطرهم للتخلي عن الأراضي التي احتلوها سابقا. مع ذلك، بقيت جزيرة كورفو، الأكبر والأكثر تحصينا، عصية على السقوط. لذلك، وبعد الاستيلاء على جزيرة سانت مورا، وجه أوشاكوف أسطوله نحو كورفو، حيث تتركز التحصينات الفرنسية الرئيسة.

وصلت السفن الروسية إلى سواحل كورفو في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1798، لتجد أمامها تحديا كبيرا. على الجانب الشرقي من الجزيرة كانت تقف قلعة قديمة تعود إلى العهد البيزنطي، في حين كانت المدينة نفسها محمية بتحصينات أحدث أنشأها البنادقة، والتي أضاف إليها الفرنسيون تحسينات كبيرة جعلت كورفو تبدو منيعة. كانت الجزيرة تضم عدة حصون تمكنها من قصف السفن المعادية، إضافة إلى الدعم البحري الكبير الذي كان متاحا للفرنسيين.

واجه أوشاكوف صعوبات غير متوقعة دفعت به لطلب تعزيزات من العثمانيين، الذين استجابوا بإرسال أكثر من أربعة آلاف جندي من ألبانيا. وبعد الانتهاء من الإجراءات التحضيرية الأخيرة، أصدر الأدميرال الروسي أوامره ببدء الهجوم. في الثامن عشر من فبراير عام 1799، انطلقت السفن الروسية في قصف مكثف على الحصن. تمكنت براعة القيادة والمهارة العالية لقوات الإنزال من التغلب على الحامية الفرنسية، وحتى مع أن التعزيزات العثمانية كانت أقل من المتوقع، استطاع أوشاكوف اقتحام كورفو والاستيلاء عليها. شكل هذا النجاح ذروة الحملة، ليكافأ فيودور أوشاكوف بترقيته إلى رتبة أميرال.

كان للسهولة النسبية التي اقتحم بها البحارة الروس جزيرة فيدو والمواقع الأمامية أثر كبير في إضعاف معنويات القيادة الفرنسية. بعد أن فقد الفرنسيون نحو ألف رجل في يوم واحد فقط، أدركوا أن المقاومة أصبحت بلا جدوى. في اليوم التالي، وصل قارب فرنسي إلى سفينة أوشاكوف يحمل قائدا فرنسيا مساعدا يقترح هدنة، ليرد عليه أوشاكوف باقتراح تسليم الحصن في غضون أربع وعشرين ساعة. سرعان ما أعلنت القلعة موافقتها على الاستسلام، وفي الثالث من مارس 1799، تم توقيع وثيقة الاستسلام الرسمية.


نصت الوثيقة على أن يتولى قيادة السرب الروسي التركي الإشراف على التحصينات والمدفعية والمعدات العسكرية والمؤن. انسحب أفراد الحامية الفرنسية من تحصيناتهم بتشريفات عسكرية كاملة، وقاموا بتسليم أعلامهم وأسلحتهم للقوات المنتصرة، باستثناء الضباط والجنرالات. بلغ عدد الأسرى الفرنسيين أكثر من 2900 جندي، في حين لم تتجاوز خسائر الروس في الهجوم المئة بين قتيل وجريح.

غنم الأسطول المشترك أكثر من ستمئة مدفع، ونحو خمسة آلاف وخمسمئة قطعة سلاح خفيف، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخيرة. أطلق القائد البحري الروسي سراح الجنود الفرنسيين بعد أن تعهدوا بعدم القتال ضد روسيا، ومطالبتهم بإعادة الممتلكات التي نهبوها من السكان المحليين.

لم يقتصر تأثير سقوط كورفو على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل تحرير سكان الجزر الأيونية وتمكينهم من نيل استقلالهم الوطني. بعد هذا الانتصار، تأسست جمهورية الجزر السبع التي وضعت تحت حماية روسيا وتركيا بشكل مؤقت.

بذل الأدميرال أوشاكوف جهدا كبيرا في وضع أسس ديمقراطية لهذه الجمهورية، حيث صاغ بنفسه قسم اليمين الذي يؤديه النواب، ووضع العديد من اللوائح التنظيمية الأساسية. صدر إعلان تاريخي ضمن لجميع السكان، بغض النظر عن طبقاتهم، كما نص على عفو عام وكفالة لاحترام دينهم وممتلكاتهم وحقوقهم الفردية، ودعا إلى إنهاء الصراعات الداخلية وإحلال السلام الشامل.

هكذا، خلال حملة البحر الأبيض المتوسط، تحققت جميع الأهداف المنشودة، وتردد اسم أوشاكوف في كل أنحاء أوروبا. استطاع هذا الأميرال الأسطوري إضعاف القوات البحرية الفرنسية بشكل كبير، والأهم من ذلك أنه مهد الطريق لروسيا كي تحصل على موطئ قدم استراتيجي في البحر الأبيض المتوسط. سقطت حصون الفرنسيين الحصينة تحت وطأة هجمات أسطوله، ليقدم القائد البحري الروسي للعالم بأسره برهانا على القدرات الهائلة لأسطول بلاده في خضم تلك الحقبة التاريخية المضطربة.

المصدر: RT

متعلقات