الثلاثاء-03 مارس - 05:45 ص-مدينة عدن

المدينة الاقتصادية في أبين: هل تُستخدم كغطاء لإغلاق ملف حقل نفطي استراتيجي؟

الثلاثاء - 03 مارس 2026 - الساعة 04:00 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات


تكشف معطيات ميدانية متقاطعة أن ما يجري في منطقة العلم بمحافظة أبين يتجاوز كونه مشروعاً استثمارياً عقارياً، ليصل إلى مستوى مخطط استراتيجي لإغلاق ملف أحد أهم الحقول النفطية غير المعلنة في المحافظة، عبر توظيف مشروع "المدينة الاقتصادية" كغطاء قانوني وإعلامي.
مصادر محلية مطلعة تؤكد أن الحقل النفطي في المنطقة معروف فقط لعدد محدود من السكان المحليين، وظل لسنوات طويلة خارج التداول العام، نظراً لحساسيته وتعقيدات ملفه الجيولوجي والسيادي. إلا أن التحولات السياسية الأخيرة وفّرت فرصة نادرة لإعادة ترتيب هذا الملف وتنفيذه بأقل قدر من الضجيج والمقاومة.
من الحقل النفطي إلى المدينة الاقتصادية: تغيير العنوان لتغيير الواقع
بدلاً من الإعلان المباشر عن مشروع نفطي، تم – بحسب المصادر – تغيير طبيعة المشروع من استثمار نفطي إلى مشروع تنموي مدني ضخم، يحمل مسمى "المدينة الاقتصادية"، وهي تسمية تحظى بقبول شعبي واسع، وتخفف من حساسية السيطرة على الأرض.
غير أن إعلان مساحة المدينة بـ 23 ألف فدان لم يكن مجرد تضخيم إعلامي، بل خطوة محسوبة لخلق أمر واقع قانوني وجغرافي يسمح بإحاطة كامل النطاق الجيولوجي للحقل النفطي داخل مشروع واحد، ما يؤدي عملياً إلى إغلاق ملف الحقل وإخراجه من التداول العام مستقبلاً.
فرض الأمر الواقع: استراتيجية السيطرة الناعمة
تعتمد الخطة – وفق التحليل – على ثلاث مراحل رئيسية:
1. الإعلان الضخم
تم نشر مساحة المدينة الاقتصادية (23 ألف فدان) بشكل رسمي ومكثف، لإيصال رسالة واضحة بأن المشروع أصبح أمراً واقعاً لا رجعة فيه.
2. تطويق السكان
وُضِع ملاك الأراضي والمستفيدون السابقون أمام واقع جديد مفروض إعلامياً وسياسياً، ما يخلق حالة من الإرباك والعجز القانوني المؤقت.
3. الإخماد المالي
في المرحلة اللاحقة، يتم إسكات المعترضين عبر التعويضات المالية، بحيث يتحول النزاع من قضية سيادية كبرى إلى مطالب مالية فردية، يسهل احتواؤها.
وهي آلية معروفة في مشاريع السيطرة الجغرافية الكبرى:
غيّر العنوان → وسّع النطاق → اصنع الأمر الواقع → ادفع التعويض → أغلق الملف.
لماذا الآن؟ التوقيت السياسي الحاسم
تؤكد مصادر مطلعة أن الفراغ السياسي والإداري وتراجع سلطة الدولة المركزية وفّر بيئة مثالية لتنفيذ هذا النوع من المشاريع الحساسة.
في ظل ضعف الرقابة، وانشغال السلطات بالأزمات الأمنية والمعيشية، يصبح تمرير مشاريع استراتيجية كبرى أمراً ممكناً بأقل مقاومة، خصوصاً عندما تُغلف بغلاف التنمية والاستثمار.
الاسم الكبير كدرع حماية
الترويج للمشروع على أنه استثمار سعودي منح الخطة حصانة سياسية وإعلامية عالية، إذ يصعب على أي جهة محلية الدخول في مواجهة مباشرة مع مشروع يحمل هذا العنوان الإقليمي الثقيل.
وبذلك يصبح الاعتراض:
سياسياً حساساً
إعلامياً مكلفاً
قانونياً معقداً
ما يخلق مناخ ردع نفسي لأي محاولة اعتراض مبكرة.
التلاعب بالمساحة: جوهر المخطط
الفرق بين المساحة القانونية (1041 فداناً) والمساحة المعلنة (23 ألف فدان) لا يمكن اعتباره خطأ أو مبالغة دعائية، بل يمثل اللبّ الحقيقي للمخطط.
فهذا التمدد الهائل:
يضم كامل النطاق الجيولوجي للحقل النفطي
يبتلع مخططات حكومية قائمة
يطوّق الأراضي الخاصة
ويغلق أي إمكانية مستقبلية لفصل ملف النفط عن المشروع المدني
الأخطر: إسكات الأرض بثمنها
تؤكد المعلومات أن المرحلة القادمة ستعتمد على سياسة شراء الصمت:
بدلاً من المواجهة القانونية، يتم تعويض الملاك بمبالغ مالية تجعلهم:
يتنازلون عن حقوقهم
يمتنعون عن التصعيد
ويتحول الملف من قضية سيادة إلى صفقة تجارية
وبذلك تُغلق القضية نهائياً، ويُدفن ملف الحقل النفطي داخل مشروع المدينة.
النتيجة: خسارة استراتيجية للدولة
في حال نجاح هذا السيناريو، ستكون النتيجة:
إخراج حقل نفطي كامل من السيادة المباشرة للدولة
تحويل مورد استراتيجي إلى مشروع عقاري
فقدان فرصة اقتصادية وطنية قد تُقدّر بمليارات الدولارات
الخلاصة: ما يجري أخطر من مشروع استثماري
ما يحدث في أبين ليس نزاع أرض عادي، ولا مجرد تضخيم إعلامي لمشروع عقاري، بل تحرك استراتيجي لإغلاق واحد من أهم ملفات الثروة النفطية الصامتة في اليمن.
القضية اليوم ليست: كم مساحة المدينة؟
بل: من يملك قرار النفط؟
فحين تتحول المدن الاقتصادية إلى أدوات لإعادة رسم خرائط الثروة والسيادة، يصبح الصمت خسارة وطنية لا تعوّض.

متعلقات