ما الهدف السياسي من عودة التفجيرات إلى الجنوب؟
الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 04:36 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي _متابعات
التفجير الإرهابي الغادر الذي استهدف موكب القائد العسكري البارز العميد حمدي شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة، عصر يوم الأربعاء 21 يناير 2026 في منطقة جعولة شمال العاصمة عدن، لم يكن حادثة أمنية معزولة أو فعلًا عشوائيًا نابعًا من فراغ. بل جاء التفجير في توقيت بالغ الحساسية، وفي سياق سياسي وأمني شديد التعقيد، يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا ظل يلاحق المشهد الجنوبي منذ سنوات هل عاد الإرهاب إلى العاصمة عدن ومحافظات الجنوب؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من إعادة تدوير العنف والفوضى في الجنوب؟
لقد أسفر التفجير عن سقوط شهداء وجرحى من مرافقي القائد، في محاولة اغتيال تحمل كل بصمات العمليات الإرهابية المنظّمة، وتستهدف رأسًا قياديًا عسكريًا له تاريخ طويل في مواجهة الجماعات المتطرفة، ما يجعل العملية رسالة مزدوجة رسالة دموية للجنوب، ورسالة سياسية للخارج.
-التفجير ودلالاته
يكتسب تفجير موكب العميد حمدي شكري دلالات متعددة، تتجاوز كونه استهدافًا لشخصية عسكرية بعينها، ليصبح استهدافًا مباشرًا للأمن الجنوبي ولمنظومة الاستقرار التي تشكّلت بعد سنوات من المواجهة مع الإرهاب.
اختيار منطقة جعولة، وهي منطقة حساسة ومكتظة، يعكس سعي المنفذين لتحقيق أكبر صدى أمني وإعلامي، وإعادة بث الخوف في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، التي نجحت خلال الأعوام الماضية – بفضل التضحيات الأمنية والعسكرية الجنوبية – في تقليص حضور التنظيمات الإرهابية بشكل كبير.
كما أن طبيعة التفجير، واحترافيته، ونوع العبوة، تشير بوضوح إلى عمل استخباري منظم، وليس إلى تصرف فردي أو رد فعل عابر.
ما الهدف السياسي من عودة التفجيرات إلى الجنوب؟
تأتي عودة التفجيرات ومحاولات الاغتيال في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد مطلب الجنوبيين باستعادة دولة الجنوب العربي، وإعلان الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي الإعلان الدستوري الجنوبي الذي عبّر عن إرادة شعبية واضحة لإقامة دولتهم المستقلة.
هذا التطور شكّل تهديدًا مباشرًا لقوى وأحزاب اليمننة التي تدرك أن قيام دولة الجنوب يعني نهاية مشاريعها السياسية وسقوط أوراقها التقليدية، ما دفعها إلى إعادة توظيف الإرهاب والفوضى كأدوات ضغط لإرباك المشهد، والتشكيك في قدرة الجنوبيين على إدارة دولتهم، وضرب الاستقرار في عدن باعتبارها عاصمة الدولة القادمة. وعليه، فإن عودة الإرهاب ليست حدثًا أمنيًا معزولًا، بل رد فعل سياسي مباشر على مشروع استعادة الدولة الجنوبية وإعلانها.
من المستفيد؟
عند البحث عن المستفيد من عودة الإرهاب إلى العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، تتقاطع الإجابات عند مجموعة من الأطراف قوى وأحزاب يمنية ترى في استقرار الجنوب تهديدًا مباشرًا لمشروعها السياسي.
شبكات أمنية وعسكرية مخترقة داخل مؤسسات الدولة الهشة، سبق أن اعترف بعض أفرادها بدورهم في عمليات إرهابية سابقة. وتنظيمات إرهابية تحمل ثارات تاريخية مع قيادات جنوبية بارزة، في مقدمتهم العميد حمدي شكري. وجهات إقليمية أو أدوات محلية تسعى لإرسال رسائل مفادها أن الجنوب لا يمكن أن يكون مستقرًا خارج إطار اليمن الموحد.
هنا يصبح الإرهاب أداة سياسية بامتياز، تُدار بعقل بارد، وتُوظف لتحقيق أهداف استراتيجية.
-التفجير وسياق اللخبطة الأمنية المقصودة
يبدو واضحًا أن قوى اليمننة استشعرت جدّية التحرك الإقليمي، فسارعت إلى محاولة خلق لخبطة أمنية في الجنوب، سواء عبر عمليات إرهابية مباشرة، أو عبر تحريك خلايا نائمة، أو إثارة الفوضى الإعلامية. الهدف من ذلك هو تشتيت الانتباه عن قضية الجنوب. وإرباك المشهد الداخلي. وإرسال رسائل دولية وإقليمية بأن الجنوب غير قادر على إدارة أمنه. وترويج سردية مفادها أن بقاء الجنوب ملحقًا باليمن هو الضمانة الوحيدة لمحاربة الإرهاب.
-هل التفجير مقدمة لفلتان إرهابي أم محاولة فرملة للاحتشاد السلمي؟
يطرح التفجير احتمالين رئيسيين: الاحتمال الأول: بداية فلتان إرهابي منظم
وهو الاحتمال الأخطر، ويعني أن التنظيمات الإرهابية أعادت تفعيل شبكاتها في عدن ومحافظات الجنوب، بعد فترة من البيات الشتوي، مستفيدة من ثغرات أمنية وتواطؤ بعض الجهات. الاحتمال الثاني عملية استخبارية لفرملة الاحتشاد السلمي
حيث يُستخدم التفجير كذريعة لتشديد الإجراءات الأمنية، وتفتيش السيارات، وعرقلة وصول الوفود، وربما منع إقامة الفعاليات الجماهيرية في الوقت الراهن.
غير أن اختيار شخصية بحجم العميد حمدي شكري، وما يحمله من ثقل عسكري وأمني، يجعل الاحتمال الأول أكثر ترجيحًا، إذ لا يبدو أن الهدف الأساسي هو فقط تعطيل فعالية جماهيرية، بل توجيه ضربة رمزية للأمن الجنوبي.
-القائد شكري هدف له دلالته
العميد حمدي شكري ليس شخصية عابرة في المشهد العسكري الجنوبي. فهو أحد القيادات التي خاضت معارك مفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية، ولديه تاريخ من الصدام المباشر مع القاعدة وداعش.
وبالتالي، فإن استهدافه يحمل بعدًا ثأريًا واضحًا، ويعيد إلى الأذهان سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات جنوبية في السنوات الماضية، ضمن مشروع ممنهج لإفراغ الجنوب من قياداته الأمنية والعسكرية الفاعلة.
-عودة القاعدة إلى عدن ماذا يعني ذلك؟
حين تعلن القاعدة نيتها الانتقال إلى عدن، فالمقصود ليس مجرد وجود أفراد، بل نقل منظومة إرهابية متكاملة قواعد لوجستية، وخلايا نائمة، وشبكات تمويل، وحواضن سياسية وإعلامية. وقد كشفت اعترافات سابقة لقيادات إرهابية، عن دور جهات حزبية يمنية في دعم الإرهاب في العاصمة عدن، وفي مقدمتها اعترافات أمجد خالد، قائد لواء النقل العام السابق، والتي أشارت بوضوح إلى شبكة معقدة من العلاقات بين الإرهاب وبعض القوى السياسية.
-مخططات خطيرة
أكد السياسي الجنوبي وضاح بن عطية أن التفجير الإجرامي في عدن يكشف عن مخططات خطيرة تهدف إلى إدخال الجنوب في حالة فوضى، مشيرًا إلى ضلوع العميد أمجد خالد، المدعوم من الحوثي والإخوان، في استهداف القائد حمدي شكري.
هذه التصريحات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى معطيات وتجارب سابقة، تجعل من التفجير حلقة في سلسلة طويلة من محاولات ضرب الاستقرار الجنوبي.
-رسائل التفجير للداخل والخارج
يحمل التفجير عدة رسائل: للداخل الجنوبي أن معركة الأمن لم تنتهِ بعد.
وللقيادات الأمنية محاولة لإعادة خلط الأوراق وتغيير القيادات. وللإقليم والعالم: أن هناك قوى قادرة على تعطيل أي مسار سياسي لا يخدم مصالحها، وأن التصنيفات الدولية لن تمنعها من استخدام الإرهاب.
-ثبات في وجه الإرهاب
في هذا السياق، جاء تحرك عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرّمي، واطمئنانه على العميد حمدي شكري ومرافقيه، ليؤكد أن الإرهاب لن يثني القوات الجنوبية عن أداء واجبها، وأن معركة الاستقرار مستمرة مهما بلغت التحديات.
فما جرى في منطقة جعولة ليس مجرد تفجير، بل اختبار حقيقي للجنوب، بين خيارين إما السماح بعودة الإرهاب والفوضى. أو تحويل الحادثة إلى نقطة انطلاق لمواجهة شاملة، أمنيًا وسياسيًا، تكشف الرعاة والممولين، وتحصّن الجنوب من مشاريع العبث. ويبقى السؤال هل ينجح الجنوب في إفشال هذا المخطط كما أفشل سابقاته؟ أم أن قوى الإرهاب تراهن على لحظة ارتباك لن تأتي؟
الوقائع والتجربة تقول إن الجنوب، رغم الجراح، أكثر وعيًا وصلابة وأن العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، التي قاومت الإرهاب ذات يوم، قادرة على هزيمته من جديد.