حضرموت تحت القصف.. انهيار الشراكة وتحول التحالف إلى خصم مكشوف
الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 02:26 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
حضرموت اليوم لا تقف عند حدود حدث عسكري عابر، بل تقف عند مفترق تاريخي خطير تتبدل فيه الأدوار وتسقط فيه الأقنعة. ما جرى لم يكن خطأً عملياتياً ولا التباساً ميدانياً، بل تحوّل سياسي صريح، تُرجم بالقصف، وأُعلن بالنار، وكشف بوضوح أن مفهوم “الشراكة” قد انهار لحظة ضغط الزناد.
القصف الذي استهدف مواقع في حضرموت، وتحديداً في محيط ميناء المكلا، لم يكن مجرد غارة، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان، مفادها أن التحالف الذي تشكّل تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” بات يستخدم ذات العناوين لتبرير أفعال تناقض جوهرها، وتنتج واقعاً أكثر خطورة وفوضى.
-قصف الشريك لا مكافحة الإرهاب
حضرموت، التي كانت لسنوات نموذجاً لاستقرار نسبي تحقق بجهود جنوبية وتنسيق إقليمي، تحولت فجأة إلى ساحة اختبار لسياسات القوة. الطائرات التي يفترض أنها جاءت لحماية الأمن، أصبحت أداة تهديد، لا للخصوم، بل للشركاء أنفسهم. هذه المفارقة أسقطت سردية “الدعم” وأسست لواقع جديد عنوانه: منطق الوصاية بالقوة.
الضربة الجوية لم تُسقط أهدافاً عسكرية فقط، بل أسقطت معها عقوداً من التنسيق، وأطاحت بفكرة التحالف من جذورها، ودفنت الثقة تحت ركام قرار أحادي لا يراعي تاريخ الشراكة ولا تضحياتها.
-التسجيل الصوتي لحظة سقوط الرواية الرسمية
التسجيل الصوتي الذي خرج إلى العلن شكّل نقطة التحول الأخطر في المشهد. لم يعد الأمر خلاف روايات أو تضارب تفسيرات، بل أصبح دليلاً موثقاً يثبت أن الجهات السعودية كانت على اطلاع دقيق، يومي، ومباشر بكل تفاصيل العمل في ميناء المكلا: حركة السفن، توقيت وصولها، مساراتها، طبيعة حمولتها، وحتى الإجراءات التشغيلية الدقيقة.
هذه المعرفة التفصيلية تسقط تلقائياً أي ذريعة تتحدث عن “اشتباه” أو “خطأ غير مقصود”. فالقصف الذي يتم في ظل هذا المستوى من التنسيق لا يمكن تصنيفه إلا كقرار سياسي عدائي متعمد، لا كحادث عسكري عابر.
الأخطر أن الرواية التي جرى تسويقها لاحقاً عن “شحنات سلاح” موجهة للقوات الجنوبية، اتضح أنها فبركة لاحقة للقصف، إذ تشير الوقائع إلى أن الحمولة كانت عتاداً تابعاً لقوات إماراتية، شريك رئيسي في التحالف، وتعمل ضمن ترتيبات معلنة ومعروفة. هنا يتحول القصف من خطأ إلى طعنة موثقة في الظهر.
-من الشراكة إلى الخيانة السياسية
استهداف شحنة تخص شريكاً في التحالف يمثل جحوداً سياسياً فاضحاً، وسابقة خطيرة في منطق العلاقات الاستراتيجية. من ينسّق التفاصيل صباحاً، ثم يطلق الصواريخ مساءً، لا يمكن وصفه بحليف موثوق. هذا سلوك خصم، لا شريك.
القصف لم يحمِ الميناء كما زُعم، بل قوّض الثقة في منظومة التحالف بأكملها، وفتح ثغرة عميقة في جدار الأمن الإقليمي. فحين تتحول المعلومات المشتركة إلى أدوات استهداف، يصبح التحالف نفسه عبئاً أمنياً لا ضمانة استقرار.
-حضرموت بوابة الفوضى لا بوابة الأمن
اللافت أن الغطاء الجوي الذي رُفع تحت شعار “مكافحة الإرهاب” تحوّل عملياً إلى عامل مكّن قوى متطرفة من التقدم في وادي حضرموت. تقارير وشهادات ميدانية تشير إلى مشاركة عناصر من القاعدة وداعش في الهجوم، في مشهد كان الطيران السعودي يحلق فوق رؤوسهم، لا لردعهم، بل لتأمين مسارات تقدمهم.
سقوط وادي حضرموت بهذه الطريقة لا يمكن توصيفه كانتصار أو “بسط نفوذ”، بل هو احتلال كامل الأركان، شاركت فيه قوى شمالية وعناصر إرهابية، تحت غطاء جوي يفترض أنه جاء لمحاربتهم. المفارقة هنا ليست سياسية فقط، بل أخلاقية واستراتيجية، وتكشف انقلاباً خطيراً في الأولويات.
-الإعلام كسلاح نفسي
الإعلام المرافق للقصف لم يكن أقل خطورة من القصف ذاته. تحوّل إلى غرفة عمليات نفسية، تمهّد للغارات بالكلمات، وتبررها بالخطاب، وتغسل آثارها بسيل من المصطلحات المضللة. لم تعد تلك ممارسة صحفية، بل آلة حرب تطلق الروايات كما تُطلق القذائف.
-كسر الثقة أخطر من كسر العظام
حضرموت أثبتت أن المعركة الحقيقية لا تُخاض في السماء وحدها، بل في وعي الناس. من يكسر ثقة حليفه يخسر أكثر من معركة عسكرية؛ يخسر شرعية الشراكة، واحترام الإقليم، وثقة المجتمع الدولي. كسر الثقة هنا كان أعمق أثراً من أي دمار مادي.
-الجنوب وإرادة الرفض
الجنوب لم يبدأ الحرب، لكنه يملك الحق الكامل في رفض الوصاية، أياً كان شكلها أو غطاؤها. ما يجري اليوم يؤكد أن الاحتلال لا يأتي دائماً بزيّ العدو، بل أحياناً بعباءة الشريك. غير أن حضرموت، بتاريخها وإرادة أبنائها، ليست رقعة في لعبة نفوذ، ولا غنيمة تُقسم.
الحرب قد تكون سجالاً، وقد يخسر الجنوب جولة، لكنه لن يخسر المعركة. أرض أخرجت الاستعمار البريطاني قادرة على إسقاط أي وصاية جديدة، مهما تغيّر اسمها أو رايتها. الجنوب عصيّ على الكسر، وإرادته أقوى من كل الطائرات.