ٱراء واتجاهات


المضاربة ورأس العارة: حين تُفرغ الحرب الجغرافيا من سكانها في محيط باب المندب

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 11:55 م

الكاتب: وضاح علي علوان - ارشيف الكاتب







المضاربة ورأس العارة: حين تُفرغ الحرب الجغرافيا من سكانها في محيط باب المندب



في الجغرافيا السياسية، لا تكمن أهمية المناطق الاستراتيجية في موقعها وحده، بل في طبيعة العلاقة بين الأرض وسكانها والمؤسسات التي تديرها. فالموقع الجغرافي قد يمنح المنطقة قيمة أمنية واقتصادية استثنائية، لكن غياب الاستقرار السكاني والمؤسسي يحوّل هذه القيمة إلى مصدر هشاشة بدلاً من أن تكون رافعة للاستقرار.

تقدم مديرية المضاربة ورأس العارة، الواقعة ضمن نطاق الصبيحة بمحافظة لحج جنوب غربي اليمن، نموذجاً يستحق التوقف عنده. فالمنطقة تقع في المجال الجغرافي المحيط بباب المندب، وتعيش في ظل مواجهة عسكرية بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثيين. ووفق إفادات محلية، أدت تداعيات الحرب إلى نزوح السكان من مناطقهم بصورة شبه كاملة، حتى لم يعد، بحسب هذه الإفادات، أحد من السكان باقياً في بعض المناطق.

هذه الصورة تطرح سؤالاً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية: ماذا يعني أن تستمر الحرب في منطقة ذات أهمية جيوسياسية، بينما يفقد مجتمعها المحلي القدرة على البقاء في أرضه؟

الجغرافيا الاستراتيجية لا تعني الاستقرار تلقائياً

يُنظر إلى باب المندب عادة من زاوية الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة والتنافس الإقليمي. لكن هذه القراءة، على أهميتها، تظل ناقصة إذا عزلت الممر البحري عن امتداده البري والاجتماعي.

فالممرات البحرية لا توجد في فراغ؛ إذ تتأثر بيئتها الأمنية باستقرار السواحل والطرق والمجتمعات المحيطة بها، وبقدرة المؤسسات الوطنية على فرض القانون وتقديم الخدمات وإدارة المجال العام.

وفي هذا السياق، لا تمثل المضاربة ورأس العارة مجرد مساحة جغرافية قريبة من مسرح الصراع، بل جزءاً من بيئة محلية ترتبط باستقرار المجال المحيط بباب المندب.

ومن الخطأ، مع ذلك، مساواة النزوح بتغير السيطرة العسكرية؛ فإخلاء السكان لمناطقهم لا يعني بالضرورة انتقال السيطرة عليها إلى طرف آخر، لكنه يعني تراجع الحياة المدنية وتعطل الوظائف الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الأرض مجالاً مستقراً للعيش.

حين تصبح الحرب عاملاً في تفكيك المجتمع المحلي

لا تتوقف آثار المواجهات عند الخسائر العسكرية أو تغير خطوط التماس. فالحرب الممتدة تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، وتدفع السكان إلى مغادرة منازلهم ومصادر رزقهم، وتقطع الروابط بين الإنسان وأرضه.

وفي المضاربة ورأس العارة، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا اتسع النزوح ليشمل غالبية السكان أو جميعهم في مناطق محددة.

فغياب السكان يعني تعطل الزراعة والصيد والتجارة، وتراجع النشاط التعليمي والخدمي، وتزايد صعوبة استعادة الحياة الطبيعية حتى بعد توقف القتال. كما أن النزوح الطويل يخلق تحديات تتعلق بحماية الممتلكات، وإعادة بناء الثقة، وضمان العودة الآمنة.

وهنا ينبغي التمييز بين إيقاف الحرب واستعادة الاستقرار. فالأول إجراء عسكري وسياسي، أما الثاني فهو عملية اجتماعية واقتصادية ومؤسسية أكثر تعقيداً.

المعضلة الأمنية: السيطرة على الأرض أم استقرارها؟

تكشف هذه الحالة عن إشكالية مهمة في إدارة المناطق المتأثرة بالنزاعات: هل يكفي تأمين خطوط المواجهة لضمان استقرار المنطقة؟

الإجابة أن السيطرة العسكرية، مهما كانت ضرورية في ظروف الحرب، لا تمثل وحدها أساساً كافياً للاستقرار طويل الأمد.

فالاستقرار يحتاج إلى مؤسسات أمنية رسمية، وإدارة محلية فاعلة، وخدمات عامة، واقتصاد قادر على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. كما يحتاج إلى مجتمع محلي حاضر وقادر على المشاركة في إدارة شؤونه.

ومن هنا، فإن حماية المناطق المحيطة بالممرات البحرية ينبغي ألا تقتصر على الاعتبارات العسكرية، بل يجب أن تشمل حماية السكان، واستمرار الخدمات، ومنع تحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم.

الصبيحة: من قوة الدفاع إلى شريك في بناء الدولة

تمتلك الصبيحة رصيداً اجتماعياً وبشرياً ومعرفة محلية بالجغرافيا والتضاريس والطرق والسواحل. وقد فرضت سنوات الحرب على أبنائها أدواراً كبيرة في المواجهات والدفاع عن مناطقهم.

لكن اختزال هذه الإمكانات في الوظيفة العسكرية يمثل خسارة استراتيجية.

فالمطلوب هو الانتقال من توظيف الموارد البشرية المحلية في إدارة الصراع إلى استثمارها في بناء المؤسسات والأمن المجتمعي والتنمية الاقتصادية والإدارة المحلية.

ولا يتحقق ذلك بمنح امتيازات على أساس الانتماء المناطقي، بل بضمان تكافؤ الفرص وإشراك الكفاءات المحلية في مؤسسات الدولة وفق معايير الاستحقاق والمسؤولية.

إن المجتمع الذي يُطلب منه تحمل مسؤولية الدفاع عن أرضه يجب أن يجد أيضاً طريقاً للمشاركة في إدارة مستقبله وإعادة بناء مؤسساته.

العودة ليست ملفاً إغاثياً فقط

إن إعادة سكان المضاربة ورأس العارة إلى مناطقهم يجب أن تتحول إلى أولوية في أي تصور جاد للتعافي والاستقرار.

لكن العودة لا يمكن اختزالها في نقل الأسر من أماكن النزوح إلى منازلها. فهي تحتاج إلى ضمانات أمنية، وإزالة المخاطر، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، واستعادة مصادر الدخل.

كما تتطلب تقييماً ميدانياً مستقلاً للأضرار وحجم النزوح، وخطة واضحة لإعادة الإعمار، ومشاركة السكان أنفسهم في تحديد أولويات التعافي.

فالعودة التي لا تضمن الأمن والعمل والخدمات قد تتحول إلى عودة مؤقتة يعقبها نزوح جديد.

الخلاصة: أمن المضيق يبدأ من استقرار محيطه البري

إن ما تشهده المضاربة ورأس العارة يطرح قضية تتجاوز حدود الصراع المحلي، ويكشف عن ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين إدارة الجبهات وحماية المجتمعات المحيطة بالمواقع الاستراتيجية.

فأمن باب المندب لا يمكن اختزاله في حماية حركة الملاحة أو تأمين المواقع العسكرية، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة برية مستقرة، ومؤسسات وطنية فاعلة، ومجتمعات قادرة على البقاء والإنتاج والمشاركة في إدارة شؤونها.

إن استمرار النزوح في منطقة بهذه الأهمية يفرض على الحكومة اليمنية والجهات المعنية، وكذلك المنظمات الدولية والإنسانية، التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً يجمع بين حماية المدنيين والتعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

فالمشكلة ليست فقط أن الحرب وصلت إلى جغرافيا استراتيجية، بل أن سكان هذه الجغرافيا أصبحوا عاجزين عن البقاء فيها.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن يتوقف عندها صانع القرار: لا يمكن بناء استقرار دائم حول باب المندب بينما تظل المجتمعات المحيطة به خارج معادلة الأمن والتنمية والدولة.

بقلم: وضاح علي علوان