الإثنين-02 نوفمبر - 12:48 م-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


الشعارات: مهنة لصناعة السراب

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - الساعة 10:13 ص

الكاتب: احمد محمود السلامي - ارشيف الكاتب



في بعض المجتمعات، لا تعيش الأوهام على هامش الحياة، بل تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من عاداتها وطقوسها، ويصبح الانتظار ثقافة موروثة، يتناقلها جيل عن آخر، من دون أن يسأل أحد عن جدواها أو عن الوعود التي لم تتحقق. وفي مثل هذه البيئات، يجد البعض في استمرار الوهم مصدرًا للرزق والنفوذ، فيما يجد آخرون فيه عزاءً مؤقتًا من واقع يعجزون عن تغيير.
حين تصبح الأوهام سلعة رابحة، يظهر على السطح تجار الوهم؛ أولئك الذين يحترفون بيع السراب وتغليف الخيبات بشعارات براقة تعيد تدوير اليأس. هؤلاء لا يخشون الحقيقة بقدر ما يخشون استيقاظ الوعي الجمعي، لأن انهيار الوهم يعني بالضرورة سقوط عروشهم المصنوعة من رمال. إنهم يبنون مجدهم على تعطيل طاقات الأفراد، وتخدير عقولهم بانتظار معجزات سياسية وهمية لا تأتي، محوّلين أحلام الشعوب البسيطة إلى وقود لتثبيت أركان مصالحهم الضيقة.
من جهة أخرى، يمثل المتمسكون بالوهم ضحية مزدوجة؛ ضحية واقع قاسٍ يغلق الأبواب دون طموحاتهم، وضحية قابليتهم للتصديق أملاً في النجاة. فالإنسان بطبعه يهرب مما يؤلمه، وعندما تصبح المواجهة تكلفته باهظة، يصبح الاستغراق في الأحلام الزائفة مخدراً آمناً يخفف وطأة الوجع اليومي. هذا التواطؤ الصامت بين صانع الوهم ومستهلكه يخلق حلقة مفرغة تعيق أي محاولة جادة للنهوض أو التغيير الحقيقي.
إن الخروج من هذه الدائرة المظلمة يتطلب شجاعة نادرة في مكاشفة الذات، ورفضاً قاطعاً لثقافة الانتظار السلبي. فالأوطان لا تُبنى على الوعود المؤجلة والشعارات، بل بالعمل الجاد، والاعتراف بالاختلالات لا بتجميلها. وحين يدرك المجتمع أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم الجميل، يبدأ التاريخ الحقيقي للتقدم، وتُطوى للأبد صفحة تجار السراب.