ٱراء واتجاهات


سِفْرُ الدمِ والعُنْفُوان: حِينَ تَتَكَلَّمُ الجَبَهَاتُ وَتَرْتَجِفُ صَالُونَاتُ الفَنَادِقِ

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 10:10 ص

الكاتب: م . محمد مساعد سيف - ارشيف الكاتب



‏
‏
‏تجار المأساة تحت أضواء الفنادق :
‏ حين يُباع دم الجنوب في الغرف المظلمة
‏في الوقت الذي تُحتسى فيه قهوة الصباح في الصالونات المذهبة وردهات الفنادق الفارهة في عواصم البعيدة، وفيما يُقلّب قادة "الشرعية" وأمراء أحزاب الشمال؛ المؤتمر والإصلاح ملفاتهم المترفة، تشتعل جبهات التماس بنار لا ترحم.
‏هنالك، حيث يلتحف المقاتل الجنوبي الأرض، ويواجه أعتى المليشيات الحوثية الارهابية بجسد عارٍ إلا من عقيدته وإيمانه بعدالة قضيته.
‏
‏إن هذا التباين الصارخ بين رفاهية القيادة القابعة خلف شاشات التلفاز، وسخونة التراب، يفتح أبواب الجحيم السياسي على مصراعيها، ويطرح أسئلة شائكة لم تعد تصمت، أسئلة تحرق أوهام السياسيين وتفضح صفقات اللحظات الأخيرة.
‏
‏1. انحراف البوصلة: كيف اختُزلت معركة " فجر اليمن " في الخندق الجنوبي؟
‏
‏بدأت عملية "فجر اليمن" بشعارات براقة وعدت بمعركة وطنية شاملة تقتلع الجماعة الحوثية من معاقلها في الشمال. لكن السحر سرعان ما انقلب على الساحر، وللغرابة المحضة، انطفأت جبهات الشمال في مأرب والجوف والبيضاء فجأة، وتسليم قوات حزب الاخواني للجبهاته ومعسكراته ومواقعة واسلحته الثقيلة في جبهات تمركزاته في مديريات الكدحة ومقبنة وجبل حبشي وريف تعز والسلسة الجبلية المطلة على الساحل محافظة الغربي في ليلة ليلا ... تلاها بيان الخزي والعار والاستسلام مليشيا الحوثي الارهابية الصادر عن حزب الاصلاح تعز، كامتداد صارخ لإتفاق حزب الاصلاح وجماعة الحوثي عام 2014م عندما ذهب وفد الاصلاح برئاسه عبد الوهاب الانسي الى صعده والتقى عبد الملك الحوثي خرج اللقاء باعلان اتفاق عنوانه " الوحده أولا " وهنا بدأ التخادم " الاصلاحي الاخواني والحوثي الرافضي الشيعي " وهكذا ساعد الاصلاح الحوثيين باعلان بيان رسمي أنه لن يقاتل الحوثيين عند دخولهم صنعاء واستمر التعاون حتى اليوم توج الاتفاق يبقاء تعز المدينه تنزف دون هزيمتها كما هو الحال في مدينة مأرب لتكون عنوان النصر والشراكة بين الأخوان والحوثي !!
‏وتحول الجهد العسكري بأكمله ليُعصر في نطاق جغرافي ضيق ومحدد : باب المندب والصبيحة وكهبوب وذباب والوازعية في حدود محافظة لحج الجنوبية
‏
‏إن تراجع قوات الشرعية واختفاء الجيش الرابض في معسكراته الشمالية خلال أيام معدودة أمام الهجمات الحوثية، ثم انحسار المعركة ليكون وقودها الجنوب وحده، ليس مجرد خلل تكتيكي، بل هو هروب متفق عليه وممنهج؛ تحول فيه خيار المواجهة من معركة تحرير شمالية إلى معركة استنزاف للقوة الحقيقية الوحيدة على الأرض، ممثلة في مقاومة الصبيحة الجنوبية والقوات العمالقة الجنوبية واسناد تشكيلات قتالية جنوبية وحاضنة شعبية باسلة.
‏
‏2. كواليس الغرف المظلمة: السياسة حين تُطبخ على حساب البارود
‏خلف الستائر المخملية للغرف المغلقة، لا يُدار الصراع بمنطق النصر والهزيمة العسكرية، بل بمنطق " إدارة الصراع " وتوازنات الضعف. هناك تُحسب كل رصاصة تُطلق، وكل جندي يقتل، بميزان التوازنات الإقليمية.
‏إن اختزال المعركة يشي بوجود تفاهمات ضمنية ومقايضات غير معلنة بين أطراف النفوذ التقليدية أحزاب صنعاء السابقة المتدثرة بعباءة الشرعية من جهة، والمليشيا الانقلابية من جهة أخرى. الهدف الضمني ليس دحر الحوثي، بل ضمان ألا تخرج القوات الجنوبية —التي أثبتت كفاءتها المطلقة في كسر شوكة الحوثي طوال سنوات الحرب وتطهير محافظات الجنوب المحررة من وحشية التنظيمات الإرهابية كـ " القاعدة " و" داعش " وتجفيف منابعها— منتصرة بنصر حاسم يتيح لها فرض خيار الاستقلال كأمر واقع لا رجعة عنه.
‏
‏3. القوات الجنوبية: لماذا اختيار " كبش الفداء "؟
‏لم يكن اختيار القوات المسلحة الجنوبية ومقاومتها الباسلة لتمثيل الخط الأمامي في هذه الحرب عبثاً. لقد سطّر هذا الدرع المتين —من ألوية المشاة، والصاعقة، والدعم والإسناد، والحماية الرئاسية، وألوية العمالقة الجنوبية، والنخبة الشبوانية، والنخبة الحضرمية، وقوات الطوارئ، فضلاً عن المنظومة الأمنية الصلبة من الحزام الأمني، وقوات الشرطة والأمن، وقوات مكافحة الإرهاب وغيرها— ملاحم أسطورية تدرس في فنون الجسارة والوفاء للأرض.
‏لقد كانت هذه القوات هي السد المنيع الذي طهر تراب الجنوب من دنس الإرهاب، وكسر زحف المليشيا الحوثية حين انهارت الجبهات الأخرى. ولهذا السبب تحديداً، صُدِّرت هذه المؤسسة الوطنية الباسلة إلى المحرقة؛ يُراد للجسد الجنوبي الصلب أن يتلقى الضربات الأولى والوسطى والأخيرة، لكي يُستنزف رصيده وتُجهض قدرته الفاعلة.
‏
‏ 4 - نزيف الرجال : استنزاف الطاقة الشابة والعمود الفقري للجنوب
‏إن أخطر تداعيات هذه المعركة الموجهة لا تقاس بالمساحات الجغرافية الكيلومترية فحسب، بل بالكلفة البشرية والاجتماعية الفادحة. إن زجّ هذه الطاقات الشبابية والتشكيلات القتالية المحترفة التي صنعت انتصارات الجنوب الأمنية والعسكرية في أتون معارك "جانبية" ومرسومة بعناية في باب المندب، والصبيحة يعد عملية استنزاف هادئة ومنظمة تشبه " التجريف الإنساني " .
‏هذا النزيف اليومي ينهك البنية العسكرية التي عولت عليها الملايين في حفظ الأمن والاستقرار ضد أعتى عصابات الإرهاب والمليشيات، ويخلق حالة من الإنهاك المجتمعي الشامل، تعيق حركة البناء وتستنزف عمود الجنوب الفقري.
‏
‏5. ثمن الدم : أي استحقاق يوازيها على أرض الواقع؟
‏أمام كل هذه التضحيات الجسيمة الممتدة من تطهير المدن من مفخخات الإرهاب إلى دحر المليشيا الحوثية في الجبهات، يطرح الشارع الجنوبي سؤاله الجوهري: ما هو الثمن؟
‏إن رفع علم الدولة الجنوبية في كل موقع يُحرر واستبسال المقاتلين تحت رايتها ليس مجرد مشهد عاطفي، بل هو تعميد بالدم لعقد سياسي واضح ومكتوب بالرصاص ، الجنوب أرضاً وشعباً وقضية يقاتل ليستعيد دولته المصادرة منذ عام 1994م لا يمكن قبول مقايضة هذا الدم بقروش الدعم الإنساني أو بوعود المحاصصة السياسية الهشة في حكومة مناصفة تعيش في الشتات.
الثمن الوحيد الموازي لهذه التضحيات هو الاعتراف الصريح و الناجز بحق هذا الشعب في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة على كل ترابها الوطني المعترف به دوليا وعربيا و اقليميا و أمميا قبل 22مايو 1990م المشؤوم
‏
‏6. الاعتراف الدولي والإقليمي: بين الواقعية الحذرة و المظلمة التاريخية
‏وهنا نصل إلى السؤال الأبرز و الأنكا هل تؤمن السعودية ودول الإقليم والعالم بحقوق هذا الشعب السياسية والمشروعة؟
‏الحقيقة السياسية المجردة من العاطفة تقول إن المجتمع الدولي و الإقليم يتعامل بمبدأ "إدارة المصالح" وليس "عدالة القضايا". هم يعترفون بسجّل القوات الجنوبية الحافل—التي كانت وما زالت الشريك الصادق و الفعلي في اجتثاث تنظيمات القاعدة وداعش وتأمين الملاحة الدولية وكسر الحوثي— لكنهم يتلكؤون في ترجمة هذا الاعتراف الميداني و الأمني الصارم إلى اعتراف سياسي برسم معالم الدولة الجنوبية. إنهم يفضلون الإبقاء على الجنوب في حالة "المحارب بالوكالة" دون التزام صريح بمنحه حق تقرير المصير، واستعادة دولته
‏
‏7. الصفقة المظلمة: هل نعيش سيناريو " الوأد الناعم " لحلم 1994؟
‏إن الشكوك التي تطوف ب أذهان الشارع الجنوبي حول "صفقة سرية غير معلنة" ليست مجرد شطحات من نظرية المؤامرة، بل هي قراءة موضوعية لسلوك الأطراف المتصارعة منذ عقود.
‏إن المخطط الذي يُحاك في الكواليس يسعى إلى وضع الجنوبيين أمام معادلة صفريّة : إما استنزاف القوات المسلحة الجنوبية بكافة تشكيلاتها و ألويتها وقوات أمنها في حروب مفتوحة تُنفق فيها زهرة شبابها وإنجازاتها الأمنية ضد الإرهاب والحوثي، أو القبول بوضع سياسي مهين يُعيد إنتاج "احتلال 1994" بأدوات ناعمة ووجوه جديدة تحت مسميات "الشرعية" التالفة.
‏
‏إنها محاولة لوأد مشروع الاستقلال من الداخل، بعقول مترفة في الفنادق و بأجساد طاهرة في الميدان.
‏
‏8 - ما بعد العاصفة : حتمية النصر الساطع وكسر أوهام المتاجرين
‏حين تهدأ المدافع وتنجلي غبار المعارك، لن يقف الجنوب أمام مفترق طرق رمادي تمليه أهواء المتآمرين، ولن يكون ترابه الطاهر مادة للتنازل أو المساومة. إن دماء الانبل الأكرم منا جميعاً —الشهداء الأبرار والجرحى الميامين الذين بذلوا أرواحهم وزكّوا بدمائهم طهارة هذه الأرض— هي القدر النافذ والبوصلة التي لا تخطئ.
‏إن أي رهان على إنهاك الإرادة الجنوبية هو رهان فاشل يسكن عقول سياسيين أدمنوا الفساد وتمرسوا على الارتزاق في كواليس الفنادق وعواصم الشتات. هؤلاء المتاجرون بآلام الشعوب، المتخاذلون الذين يعتقدون أن بإمكانهم إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء عبر صفقات مظلمة، ستحرقهم شمس الحقيقة النبيلة واليقين الثابت للمقاتل المناضل ونظيف اليد، الذي يدرك تمام الإدراك أن ما أُخذ بالدم لا يُسترد إلا بالصمود واليقين.
‏ولن يكون مشهد الغد خاضعاً لابتزازهم؛ بل سيصنعه المقاتل الباسل، والمناضل الصلب، والشاب الطاهر الذي يحمل على كاهله عقيدة الدفاع عن الأرض والعرض والدين والهوية والتاريخ. إن عظمة التضحيات الجسيمة وجلال الدماء الزكية لا تلد إلا نصراً حتمياً لا رجعة فيه، ودولة مستقلة أبية ترتفع رايتها خفاقة على كل شبر من تراب الجنوب العربي الطاهر، لتسقط إلى الأبد أوهام الفاسدين وتتكسر على صخرة الصمود شعب الجنوب العربي العظيم كل مؤامرات المتآمرين.
‏فالتاريخ علّمنا دائماً أن الشعوب التي أنجبت أبطال العمالقة، والصاعقة، والدعم والإسناد، والنخب، والأحزمة، وقوات مكافحة الإرهاب، وغيرها من القوات الجنوبية والمقاومة الجنوبية الأصيلة... لا يُكتب في صفحاتها الهزيمة، بل تخط بدمائها فجراً وطنياً لا يستطيع تجار الحروب إطفاء نوره.
‏
‏
‏وللحديث بقية...
‏
‏
‏م . محمد بن مساعد النقيب
‏
‏العاصمة عدن
‏
‏26 إكتوبر 2026م