الأحد-25 أكتوبر - 12:01 م-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


افتتاحية عكاظ وسؤال المسؤولية الغائب

السبت - 24 أكتوبر 2026 - الساعة 08:22 م

الكاتب: عثمان عبد الرحمن سليمان - ارشيف الكاتب




تستحق الافتتاحية المنسوبة إلى صحيفة عكاظ بعنوان «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين» قراءة تتجاوز حدّة عباراتها إلى المنطق الذي تقوم عليه فهي تبدأ من فكرة يصعب الاختلاف معها وهي أنه لا يمكن استعادة دولة من دون إرادة أبنائها ومشاركتهم لكنها تنتقل من هذه القاعدة إلى تحميل اليمنيين مسؤولية التعثر من دون إخضاع إدارة المعركة وخياراتها السياسية والعسكرية للمساءلة نفسها

المشكلة ليست في مطالبة اليمنيين بتحمّل مسؤوليتهم وإنما في تقديم هذه المسؤولية وكأنها تفسّر وحدها حصيلة حرب طويلة تعدّدت أطرافها ومراكز قرارها وأولويات المشاركين فيها

تمنح الافتتاحية جهود التحالف مساحة من التقدير وتربط جدواها باصطفاف اليمنيين وهذه معادلة تحتاج إلى تدقيق فكما تؤثر الانقسامات المحلية في نتائج التدخل الخارجي تؤثر طريقة إدارة التدخل واختيار الشركاء وتوزيع الدعم في تماسك القوى المحلية وقدرتها على العمل العلاقة متبادلة ولا تستقيم قراءتها من اتجاه واحد

ومن هنا يصبح السؤال الغائب هل كانت المشكلة دائمًا في غياب الإرادة اليمنية أم شملت أيضًا الخيارات التي أُديرت بها مواجهة الحوثيين فالمقال لا يناقش هذا الاحتمال مع أنه ضروري لأي مراجعة جادة

ويظهر اختزال آخر في اشتراط أن يكون اليمنيون «على قلب رجل واحد» فوحدة الهدف في مواجهة جماعة مسلحة لا تعني تطابق المشاريع السياسية ولا إلغاء الخلافات حول شكل الدولة ومستقبلها ويمكن لقوى مختلفة أن تتعاون لمواجهة خطر مشترك إذا وُجد إطار واضح يحترم مصالحها وينظّم علاقتها أما جعل الإجماع الكامل شرطًا للنجاح فقد يتحوّل إلى تفسير دائم للتعثر لأن هذا الإجماع يكاد يستحيل في مجتمع أنهكته الحرب

وتبلغ الافتتاحية أكثر مواضعها إشكالًا حين تنتقل إلى اليمنيين المقيمين في الخارج فتربط الاستقرار النسبي والرواتب وتعليم الأبناء والخدمات الصحية باحتمال نسيان الوطن وضعف الانتماء إليه

يمكن مساءلة مسؤول يتقاضى راتبًا من دون أداء واجبه أو قيادة تدير مصالحها بعيدًا عن معاناة الناس لكن هذه مساءلة تستلزم تحديد المسؤولية وتقديم الوقائع أما جمع المنفيين والمقيمين في الخارج في صورة واحدة فيخلط بين صاحب القرار ومن اضطر إلى مغادرة بلده بحثًا عن الأمان وتعليم طفل أو علاج أسرة لا يصلح بذاته قرينة على تراجع الوطنية

هنا يستبدل النص تحليل الأداء بتقدير النوايا فيصبح الاطمئنان موضع شبهة بدلًا من أن يبقى السؤال منصبًّا على ما فعله كل طرف وما امتلكه من صلاحيات وما حقّقه أو أخفق فيه

وثمة توتر داخل الافتتاحية نفسها فعنوانها يحصر مسؤولية التحرير في اليمنيين بينما تؤكد خاتمتها أنها «مسؤولية الجميع» وكان يمكن لهذه العبارة الأخيرة أن تؤسس مراجعة أكثر توازنًا توزّع المسؤوليات بحسب حجم التأثير والقدرة على القرار بدل أن تنتهي إلى مثل شعبي يضع الآخرين في موقع المتفرج

أما حذف الافتتاحية إن ثبت فلا يكفي وحده للجزم بأسبابه أو اعتباره اعترافًا بمضمون معين فقيمة النقد تبقى في النص نفسه وفي الأسئلة التي أثارها والأسئلة التي تجنّبها

فالمراجعة الجادة لا تكتفي بالسؤال لماذا لم يتّحد اليمنيون بل تسأل أيضًا لماذا لم تنجح سنوات الدعم والشراكة في بناء إطار أكثر فاعلية وأين تعطلت الأولويات وكيف توزعت سلطة القرار ومسؤولية النتائج

«تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين» عبارة صحيحة بوصفها تأكيدًا لدور أصحاب الأرض لكنها تصبح قاصرة حين تُستخدم تفسيرًا شاملًا للتعثر فكل طرف امتلك تأثيرًا في مسار الحرب يستحق دوره مراجعة بقدر ذلك التأثير وهذه هي المساءلة التي يحتاجها اليمن ويحتاجها أي خطاب يريد تفسير ما حدث بإنصاف