الثلاثاء-20 أكتوبر - 01:25 ص-مدينة عدن

ٱراء واتجاهات


«بين هندسة التصعيد والخشية على الوكيل.. هل أتاك حديث وساطة إيران لإنقاذ ورقة باب المندب؟»

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 03:03 م

الكاتب: السفير د. محمد قباطي - ارشيف الكاتب




طيب الله أوقاتكم أيها الأعزاء جميعًا،

يسرّني أن أشارككم مقالي المنشور بالعنوان أعلاه اليوم، الأحد 18 أكتوبر 2026، في صحيفة «الثورة» الغراء بعد استئناف صدورها، وهو باكورة مشاركاتي في عمودي الأسبوعي الجديد «حديث الأحد»

يتناول المقال دلالات الوساطة الإيرانية في ظل الضغوط على الحوثيين، وأهمية التحرك المصري، ومركزية استعادة الساحل الغربي في حماية اليمن والملاحة الدولية، وضرورة تكامل دوائر العمل اليمنية والإقليمية والدولية لاستعادة المبادرة وبناء أمن مستدام.



في أدناه نص المقال كاملًا لتسهيل القراءة.

مع أزكى التحايا وخالص المودة والتقدير،،
——————-
*({حديث الأحد})*
*بين هندسة التصعيد والخشية على الوكيل:*
*هل أتاك حديث وساطة إيران لإنقاذ ورقة باب المندب؟*



*طرف ينتحل صفة الوسيط*
حين تعرض طهران التوسط بين الرياض والحوثيين، لا يكفي أن يُقرأ العرض بوصفه مبادرة دبلوماسية مجردة. فالسؤال الأسبق هو: كيف تتحول إيران إلى وسيط في نزاع هي طرف فيه؟ تحدثت تقارير لوكالة أسوشيتد برس ومصادر أخرى عن دور إيراني في التخطيط والإسناد خلال التقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي، بما في ذلك ما اتصل بمحور المخا وباب المندب. ومع أن طهران تنفي التدخل في العمليات اليمنية، فإن هذا التباين بين خطاب الوساطة وسجل الإسناد الميداني، كما تصفه التقارير، يستدعي قراءة العرض في سياقه.
لا يثبت إعلان الوساطة وحده أن غايته إنقاذ الحوثيين، لكنه يفتح باب هذا التفسير: فإيران تحاول تثبيت موقعها في أي تسوية مقبلة، وتفادي أن تنفرد التطورات العسكرية برسم ميزان جديد يضعف نفوذها. ويتصل بذلك توقيت الحملة؛ إذ يرى بعض الراصدين أن الأسابيع الممتدة من مطلع سبتمبر إلى انتخابات نوفمبر أتاحت لإيران والحوثيين فرصة لمحاولة تغيير الوقائع الميدانية، فيما تنشغل واشنطن باستحقاقها الانتخابي. ومن هنا تبدو مبادرة طهران تحركاً استباقياً لحماية ورقة استراتيجية، لا وساطة محايدة بين طرفين متكافئين.

*القاهرة تدخل معادلة الحسابات*
يتغير المشهد مع إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة البرلمان المصري إلى جلسة طارئة للنظر في تفويضه باتخاذ ما يلزم لحماية السعودية إذا طلبت ذلك. فالقاهرة لا تضيف إلى المعادلة ثقلاً سياسياً فحسب، بل تملك موقعاً مباشراً على البحر الأحمر، وقوة بحرية وخبرة عسكرية ومؤسسات تدريب قادرة، إذا توافرت الإرادة والتفاهمات، على الإسهام في حماية الملاحة وتعزيز كفاءة القوات الحكومية اليمنية.
ومصر، بحكم خبرتها التاريخية في اليمن ومعرفتها بتعقيدات مسرحه، تستطيع أن تقدم قيمة تتجاوز الإسناد العسكري المباشر: تدريب الضباط والقادة، ورفع مستوى التخطيط والأركان، والمساعدة في بناء قيادة أكثر تنسيقاً بين التشكيلات الحكومية. فقد كشفت المواجهة أن تشتت القرار وضعف التناغم بين قوات الحكومة اليمنية يبددان أثر ما تملكه من أفراد وعتاد. ولا شك أن الشرعية اليمنية سترحب بالدعم الأخوي المصري وتقدّر ما يقدمه في هذا التوقيت المفصلي.

*الساحل شريان القوة الحوثية*
ليست أهمية الساحل الغربي محصورة في الجغرافيا أو في السيطرة على موانئ بعينها. فامتداد الساحل من جنوب الحديدة إلى باب المندب يتيح منافذ للتهريب والإمداد، ويمنح الجماعة قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية الدولية. واستعادة الدولة لهذا الشريط، إذا اقترنت بقيادة موحدة ورقابة بحرية فعالة، من شأنها أن تضيق قنوات وصول السلاح والموارد إلى الحوثيين، وأن تحد من حركتهم بين الساحل والداخل.
وتكتسب المسألة المالية أهمية موازية. فقد قدرت وزارة الخزانة الأميركية عائدات شبكات مرتبطة بالحوثيين من بيع النفط بصورة غير مشروعة بأكثر من ملياري دولار سنوياً؛ وهو ما يوضح جانباً من حجم الموارد التي تغذي آلة الحرب الحوثية الإيرانية، ويجعل ضبط المنافذ وشبكات التهريب جزءاً من المعركة على القدرة العسكرية نفسها. ومع إغلاق طرق الإمداد واستنزاف المخزون، ترتفع كلفة تعويض السلاح والذخائر، وتتراجع قدرة الجماعة على مواصلة التصعيد بالوتيرة ذاتها.
وقياساً بالشواهد التاريخية، فإن حصر الحوثيين في المرتفعات الشمالية الغربية قد يدفعهم إلى تغيير حساباتهم والقبول بالتسوية السياسية وفق المرجعيات المتوافق عليها، لا إعادة التفاوض بشأنها.

*قلقٌ يتجاوز باب المندب*
وثمة مؤشر آخر على ما يشغل طهران في هذه اللحظة. فقد نقلت الجزيرة في 17 أكتوبر عن مجلس خبراء القيادة الإيراني دعوته إلى التعامل بجدية مع التهديدات الأميركية بشن حرب والحفاظ على الجاهزية. ومع أن هذا التصريح لا يثبت أن قراراً أميركياً بالتصعيد قد اتُّخذ، فإنه يكشف أن احتمال تجدد المواجهة مع واشنطن حاضر في الحساب الإيراني، بالتزامن مع التهديد بخسارة ورقة الحوثيين في اليمن.
وفي السياق نفسه، نقلت رويترز عن شبكة CNN أن خططاً عسكرية أميركية محتملة قد تشمل استخدام قنبلة GBU-43/B، المعروفة اختصاراً بـ«MOAB» (Massive Ordnance Air Blast)، وهي قنبلة تقليدية غير نووية، ضد مواقع إيرانية إذا أمر الرئيس دونالد ترامب باستئناف العمليات بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر؛ ومن ثم فإن ما بعد الانتخابات قد يدخل في تقديرات طهران.

*ثلاث دوائر تضيق على الوكيل*
إذا اجتمعت دوائر العمل الدولي والإقليمي والوطني، فقد تواجه الورقة الحوثية ضغطاً متزامناً. دولياً، تبرز حماية الملاحة وتبادل المعلومات والاستطلاع، إلى جانب إسناد لوجستي ورقابة أشد على مسارات تهريب السلاح. وإقليمياً، يمكن للتنسيق السعودي المصري أن يوفر عمقاً سياسياً وبحرياً وعسكرياً، مع إمكان مساهمات لوجستية من دول أخرى، بينها تركيا وباكستان، وفق ما تسمح به التفاهمات والقرارات السيادية. أما الدائرة الوطنية، فتبدأ بتوحيد قيادة القوات الحكومية وتدريبها ورفع جاهزيتها وتسليحها بما يلائم طبيعة المواجهة.
فقد ورث الحوثيون جزءاً من مخزون الجيش اليمني السابق، فيما ظهرت القوات الحكومية في جولات عدة بعتاد أضعف وأداء متفرق. ولا يكفي تعويض النقص بشراء السلاح؛ إذ يلزم بناء منظومة قيادة وسيطرة وإمداد وتدريب مستمر، وربط التشكيلات المختلفة بخطة عمليات واحدة. هذا هو الفارق بين تحرك عسكري عابر وقدرة وطنية مستدامة على استعادة الأرض ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، لا يضيف حديث ترامب عن احتمال قبول السعودية مساعدة إسرائيلية وضوحاً إلى المشهد بقدر ما يربكه ويحوّله إلى مادة دعائية تخدم الحوثيين وإيران وسائر وكلائها. ولا يوجد حتى الآن ما يؤكد قبول الرياض هذه المساعدة أو دخول إسرائيل في المواجهة. ويأتي ذلك فيما تتكشف انتقائية خطاب «المقاومة» والادعاء بالدفاع عن غزة في المواقف الحوثية المعلنة: فقد قال الحوثيون إن الملاحة آمنة للجميع باستثناء السفن السعودية، بينما لم تورد التقارير الموثوقة، حتى الآن، واقعة محددة عن استهداف سفينة إسرائيلية عابرة خلال التصعيد الحالي. وحين تُستثنى السفن السعودية وحدها، يصعب فصل الخطاب المعلن عن وظيفة الضغط على المملكة، كما يصعب التعامل مع شعارات غزة بوصفها تفسيراً كافياً لما يجري عند باب المندب.