ٱراء واتجاهات


الامارات .. طريق الساحل نحو باب المندب

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 03:37 م

الكاتب: سوسن الجزراوي - ارشيف الكاتب




منذ عام 2015 ، كان للامارات دورها البارز والمهم في المشاركة في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن (الذي انطلق تحت عمليات مثل ( عاصفة الحزم ) و( إعادة الأمل ) ، ولم تكن تنظر إلى الساحل الغربي كجبهة يمنية فحسب ، بل كخط دفاع ستراتيجي متقدم عن باب المندب .
وعليه ، يحق لنا ان نقول : هناك جغرافيا لا يجوز أن تُقرأ بحجمها على الخريطة ، لأن قيمتها الحقيقية تكمن فيما تفتحه خلفها من طرق ، وما تغلقه أمام خصومها من أبواب في خطوات مدروسة ومتقنة .
ويعد الساحل الغربي لليمن واحد من تلك الأماكن التي ارست ترسانتها العسكرية المحكمة امام اخطار البحر ومستخدميه .
وهكذا ، فمن يقرأ المعركة التي خاضتها الإمارات في هذا الساحل قبل سنوات ، يدرك أنها لم تكن تتحرك باتجاه مدن يمنية متفرقة بقدر ما كانت تتعامل مع خط جغرافي يصل مباشرة إلى باب المندب ، ذلك الممر الذي لا يمثل أهمية لليمن وحدها ، ولا لدول المنطقة وحدها ، بل لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا .
من هنا يمكن فهم الحضور الإماراتي في الساحل الغربي بصورة مختلفة ، او كما يقال : وفق منظور أكثر دقة ، فمعارك المخا والخوخة والتقدم شمالاً ، لم تكن مجرد عمليات عسكرية ضمن الحرب اليمنية ، انما كانت جزءاً من معركة أوسع لتأمين الشريط الساحلي والحد من تواجد الحوثيين عند واحد من أكثر المواقع حساسية في منظومة الملاحة الدولية ، وقد أعلنت الإمارات في أكثر من مناسبة أن تأمين الساحل الغربي وباب المندب وخليج عدن كان من الأهداف الاستراتيجية لعملياتها في اليمن .
وكانت المخا تحديداً محطة شديدة الأهمية في هذه الرؤية ، إذ تمكنت القوات اليمنية المدعومة إماراتياً من استعادة المدينة ومناطق محيطة بها ، ثم واصلت القوات المدعومة من الإمارات عملياتها على الساحل الغربي باتجاه الشمال ، وذلك وفقاً لوكالات انباء الامارات الرسمية .
ولم يكن ذلك التحرك منفصلاً عن البعد الإنساني أيضاً ، فالسياسة ومايحيط بها من مداخلات ، لايمكن ان تكون بعيدة عن الانسان ، إذ رافقت العمليات مساعدات وبرامج إغاثية للمناطق التي خرجت من سيطرة الحوثيين ، وهو ما ظهر في حملات المساعدات التي نفذتها الإمارات في الساحل الغربي بعد تقدم القوات هناك .
الا ان قيمة تلك المعركة تظهر اليوم بصورة أكثر وضوحاً مما كانت عليه بالأمس ، فحين تعود قوات الحوثيين إلى الساحل الغربي ، وتصل إلى المخا ومناطق استراتيجية أخرى على البحر الأحمر ، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بخريطة الحرب اليمنية وحدها ! فالساحل هنا يتحول إلى نقطة تماس مباشرة مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، في وقت أصبحت فيه الملاحة في البحر الأحمر أصلاً تحت ضغط متزايد ، ولهذا تبدو القراءة الإماراتية القديمة للساحل أكثر وضوحاً .
لقد أدركت الإمارات مبكراً أن أمن باب المندب يبدأ من البر المقابل له ، وأن حماية الممر البحري لا يمكن أن تكون مهمة بحرية خالصة إذا كانت الشواطئ القريبة منه تحت سيطرة قوة مسلحة تمتلك القدرة على تهديد السفن والملاحة ، وهنا تحديداً تكمن أهمية الدور الإماراتي في تلك المرحلة ، فلم يكن الهدف مجرد إبعاد الحوثيين عن مدينة أو طريق ، بل بناء واقع أمني مختلف على امتداد الساحل ، ودعم قوات يمنية محلية قادرة على الإمساك بالأرض بعد العمليات العسكرية ، وتبعاً لهذا ظل تأثير ذلك الدور قائماً حتى بعد انتهاء الوجود العسكري الإماراتي المباشر ، إذ أعلنت أبوظبي أن قواتها المسلحة أنهت مهمتها العسكرية في اليمن عام 2019 ، ثم أعلنت لاحقاً اكتمال عودة جميع قواتها في بداية عام 2026 .
و اليوم ، فقد عادت الجغرافيا نفسها لتطرح السؤال الذي بدا أن الإمارات تنبهت إليه قبل سنوات : ماذا يعني أن يصبح الساحل الغربي بكل امتداده الاستراتيجي تحت نفوذ الحوثيين ؟ إن المسألة لا تتعلق بالسيطرة على شريط ساحلي فحسب ، وإنما بالاقتراب من عقدة بحرية تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي ، ومن ثم بالطريق المؤدي إلى قناة السويس وأوروبا ، وقد وصفت تقارير حديثة تقدم الحوثيين على الساحل وبالقرب من باب المندب بأنه يحمل تداعيات تتجاوز اليمن إلى أمن الملاحة والتجارة والطاقة بحسب وكالة ( رويترز ) .
وهنا تصبح العودة إلى الدور الإماراتي في الساحل الغربي ضرورة لاستيعاب وفهم المشهد ككل ، لا مجرد استعادة للتاريخ ،
فما بدا في لحظته على انه معركة على أرض يمنية ، يكشف اليوم عن بعد آخر ، اذ كانت هناك رؤية تتعامل مع الساحل باعتباره خطاً متقدماً لحماية ممر دولي بالغ الحساسية ، واليوم ، حين تتغير موازين السيطرة على هذا الخط ، لا يعود السؤال : من يملك مدينة المخا ؟ بل السؤال الأكبر هو : من يملك مفاتيح الطريق إلى باب المندب ؟
ويأت هذا التساؤل المشروع والمنطقي ، لأن باب المندب لا يبدأ عند حدود الماء ، بل إنه يبدأ من الساحل ، و هذه وفق قناعتي ، هي الزاوية التي ستجعل الإمارات في قلب المقال من دون أن يبدو النص مجرد إشادة سياسية ، انما هي تجعل الوقائع العسكرية ، والتحرك في المخا والساحل ، ودعم القوات المحلية ، وفكرة حماية باب المندب ، هي التي تتحدث عن أهمية الدور الإماراتي المهم والذي يعوّل عليه الكثير .
ولايمكن اغفال ما كان للإمارات من دور عسكري ولوجستي بارز ضمن التحالف في تحرير عدن ، ثم أسهمت القوات المدعومة إماراتياً في تحرير المكلا من تنظيم القاعدة عام 2016 ، إلى جانب تدريب القوات المحلية وتأمين المدن .