ٱراء واتجاهات


مدارات…

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 11:31 م

الكاتب: د أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب




على الجانب الصحيح من التاريخ، أم على الجانب الآخر، على يمين التاريخ أم على يساره، على بلكونة التاريخ أم في صالوناته…؟

مصطلحات مطاطة كهذه وغيرها أصبحت أشبه بقمصان ذات مقاس واحد، يرتديها الجميع، وكلٌ يعتقد أنها فصّلت له وحده.

كل جهة تدعي أنها تقف على الجانب الصحيح، وكل طرف له يد ولسان بعد أن فُتحت الفضاءات أمام جماهير تتلقى كل شيء تقريباً بلا فلترة. فلكل طرف جمهوره، ولكل جماعة شعبها، ولكل "دون كيشوت" سيفه ورمحه ودرعه، وقلاع بناها من الوهم.

أما على الأرض، فثمة تاريخ آخر لا يحتاج إلى كل هذا التصوير. والتاريخ، في نهاية الأمر، ليس شيخاً وقوراً يعقد مجلسه، فيجلس الأشاوس عن يمينه، ويترك محدودي الموهبة في الدفاع عن أنفسهم على يساره.

في الحقيقة، هناك حرب وضحايا، وفقر وجوع ونزوح، وشعب يدفع أثماناً حقيقية لشعارات كبيرة.

وفي المقابل، هناك سلطة وقيادات في ضيافة الملوك، ونخب ببريستيجات ممنوحة وامتيازات كبيرة، لم تقدم شيئاً يستحق كل ذلك الضجيج، فضلاً عن الاحترام.

وهناك قيادات من "ثوار ربيع"، غادروا الساحات إلى البلدان الحاضنات، وتحولوا إلى زعامات في الإعلام وعلى الورق، تاركين خلفهم بلداً بلا ثورة، لأن الثوار الحقيقيين ذهبوا إلى غياهب اللحود، ومن بقي منهم أكلته الرياح، أو مسّه الضر والعوز، ومزقته الحروب.

فأين يقف هؤلاء من ذلك الشيخ الطاعن في السن الذي نصرّ على أن نسميه "التاريخ"؟ عن يمينه أم عن يساره… أم أن التاريخ نفسه لا يملك مقاعد كافية لكل الذين يحجزون لأنفسهم مكاناً على جانبه الصحيح؟

من بذل دمه، ومن ضحى من أجل قضية عادلة، هو تاريخ بحد ذاته، ولا يحتاج إلى من يمنحه مقعداً على يمين الزمن أو يساره، ولا إلى شهادة بأنه وقف على الجانب الصحيح…

أما من جلس على كرسي الحكم والناس تكابد القهر، ولم يقدم سوى موسوعات من الهزائم والإخفاقات، فيما امتلأت خزائنه وأفرغت الحروب خزائن الناس وبيوتهم، فذلك لا يقف على أي جانب من التاريخ، لأنه ببساطة، كارثة لها تاريخ.
أحمـــــــــــدع